«نيبال».. فيضانات تبتلع قرى «الهيمالايا» وتترك الناجين أمام «لا شيء»

«نيبال».. فيضانات تبتلع قرى «الهيمالايا» وتترك الناجين أمام «لا شيء»


«نيبال».. فيضانات تبتلع قرى «الهيمالايا» وتترك الناجين أمام «لا شيء»

لم تترك موجة المياه العاتية، التى اندفعت عبر وديان «الهيمالايا» فى نيبال، مجالاً للكثير من الوقت أمام السكان لالتقاط أنفاسهم، أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ففى دقائق معدودة، تحولت قرى ومنازل ومشروعات للطاقة الكهرومائية إلى أكوام من الطين والركام، بينما وجد ناجون أنفسهم فى ملاجئ مؤقتة، يبحثون عن آباء وأبناء وأزواج، اختفوا تحت المياه والحطام، وبينما تتواصل عمليات الإنقاذ، فى واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية قسوة التى شهدتها المنطقة، تتسع الفجوة بين أعداد الضحايا المؤكدة، وحجم المأساة الحقيقى، فى ظل استمرار انقطاع الطرق، وصعوبة الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.

تروى صحيفة «الجارديان»، فى تقريرها عن الكارثة، مشاهد إنسانية تختصر حجم الفاجعة، ثلاث نساء جلسن داخل خيمة تابعة للجيش، انخرطن فى نوبة بكاء هيستيرية، بينما كانت تحاول كل واحدة منهن استعادة ذاكرتها مع كل ما كان حولها، قبل أن يختفى فى لحظات، زوجها وأبناؤها ومنزلها. لم تكن المأساة بالنسبة إليهن مجرد فيضان عابر، وإنما لحظة واحدة انقطع فيها كل ما يربط الإنسان بحياته السابقة.

وبحسب الرواية، التى أوردتها الصحيفة، بدأت الكارثة بانهيار كتلة جليدية ذائبة فى أعالى «الهيمالايا»، فى منطقة تقع بين التبت ونيبال، ما أدى إلى اندفاع هائل للمياه والطين والحطام، نحو وادى نهر «بوتى كوشى». وكانت قوة الانهيار شديدة إلى درجة دفعت خبراء، فى البداية، إلى الاعتقاد بأن المنطقة تعرضت لزلزال، لكن القرى والمساكن الممتدة على ضفاف النهر والمنحدرات الجبلية، لم تكن أمامها فرصة كبيرة لمواجهة موجة المياه المفاجئة.

فى قرية «مايلونج»، بمنطقة «راسوا»، كانت سانجكى دولما تامانج، البالغة 61 عاماً، تعد بعض الطعام لأسرتها، عندما وصلت المياه من دون إنذار واضح، حاول أفراد الأسرة الفرار إلى مناطق مرتفعة، لكنها فقدت قبضتها على زوجها أثناء محاولتها مساعدته، فانزلق وسحبته المياه الداكنة السريعة بعيداً عنها، حاول آخرون إنقاذه، لكن التيار كان أقوى من الجميع.

وبينما كانت تروى ما حدث، قالت «تامانج» إن قريتها اختفت تقريباً، وإن المنزل الذى عاشت فيه لم يعد موجوداً، ولم تتمكن الأسرة من إنقاذ أى شىء تقريباً، أمضت ليلتها فى منطقة مرتفعة، قبل أن تنقلها مروحية عسكرية إلى مكان آمن، لكن مأساتها لم تنتهِ، إذ كان ابنها أيضاً مفقوداً منذ وقوع الكارثة، وكانت تنتظر أى خبر عنه.

وتكشف حصيلة الضحايا عن اتساع نطاق المأساة، فبعد يومين فقط من الكارثة، تأكدت وفاة ما لا يقل عن 579 شخصاً، فيما ظل أكثر من 1900 آخرين فى عداد المفقودين، مع استمرار ارتفاع الأرقام، وتخشى السلطات والسكان أن تكون الحصيلة الحقيقية أكبر بكثير، خصوصاً أن المناطق الأشد تضرراً فى بعض المقاطعات، ومنها «راسوا»، لا يمكن الوصول إليها بسهولة إلا بواسطة المروحيات، كما تزيد صعوبة تقييم الخسائر فى الجانب التبتى من منطقة الكارثة، فى ظل القيود المفروضة على التغطية الإعلامية هناك.

وفى ثكنات الجيش بمدينة «بيدور»، تحولت عمليات الإنقاذ إلى سباق مع الزمن، كانت المروحيات تصل تباعاً وعلى فترات متقاربة، وعلى متنها ناجون تم انتشالهم من المناطق التى اجتاحتها المياه، بينما تغادر أخرى محملة بالغذاء ومياه الشرب والإمدادات الأساسية باتجاه المناطق الجبلية المعزولة.

توقفت عمليات الإنقاذ البرية صباح الجمعة مؤقتاً، بسبب مخاوف من ارتفاع منسوب النهر مجدداً، إلا أن الجيش النيبالى أكد استمرار عمليات الإنقاذ الجوى، ما دام هناك أشخاص مفقودون، وقال المتحدث باسم الجيش، العميد راجا رام باسنيت، إن تحديد العدد النهائى للضحايا لا يزال صعباً، موضحاً أن الأولوية، فى هذه المرحلة، هى العثور على الناجين، وإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

ومن بين الذين نقلتهم المروحيات إلى بر الأمان، مورالى مايا تامانج، البالغة 60 عاماً، والتى عُثر عليها متعلقة بشجرة، بعدما اجتاحت المياه الوادى، وكانت قد شاهدت منزلها وهو يختفى أمام عينيها تحت المياه، قبل أن تبدأ رحلة انتظار مؤلمة، لمعرفة مصير ابنها، الذى كان فى القرية لحظة وقوع الفيضان، ولا يزال مفقوداً، وكانت المرأة قد فقدت زوجها فى زلزال نيبال المدمر عام 2015، لتجد نفسها بعد سنوات، أمام كارثة جديدة، تسلبها ابنها الوحيد، وتتركها وحيدة فى مواجهة مستقبل مجهول.

لم تقتصر الخسائر على القرى والمساكن، فقد اجتاحت المياه مواقع مشروعات كبرى للطاقة الكهرومائية على امتداد نهر «بوتى كوشى»، حيث يعمل عدد كبير من السكان، وغمرت الأنفاق بالطين والحطام، وأظهرت مشاهد مصورة عمليات إنقاذ لعدد من العمال، تمكنت فرق الإنقاذ من الوصول إليهم داخل الأنفاق، بينما لا يزال مصير آخرين غير معروف.

وعلى مسافة قصيرة من ثكنات الجيش، بدت مدينة «بيدور» وكأنها تعرضت لضربة هائلة خلال دقائق، فقد اجتاحت المياه المدينة الواقعة على ضفاف نهر «تريشولى»، وحولت أجزاء منها إلى ركام مختلط بالطين، وظلت بقايا بنك ومكتب حكومى وكشك صراف آلى نصف غارقة فى الوحل، بينما قال عمال الإنقاذ إن هناك جثثاً يُعتقد أنها مدفونة تحت الأنقاض، لكن عدم استقرار الأرض جعل انتشالها أمراً بالغ الخطورة.

وفى خضم هذا الدمار، حاول وزير الداخلية النيبالى الجديد، سودان جورونج، الوقوف على حجم الخسائر ميدانياً، مؤكداً أن الأولوية العاجلة تتمثل فى إنقاذ الأشخاص الذين لا يزالون مفقودين، والتعامل معهم باعتبارهم على قيد الحياة حتى يثبت العكس، وشدد على أن فرق الإنقاذ تبحث عن الجميع، سواء كانوا مواطنين نيباليين أو أجانب، فى تأكيد على اتساع نطاق عمليات البحث.

أما السكان، فكانوا يحاولون العودة إلى الأماكن التى كانت يوماً منازلهم، على أمل العثور على شىء يمكن إنقاذه من حياتهم السابقة، لكن معظمهم لم يجد سوى مساحات عميقة من الطين والركام، ويروى التاجر أشوك تشوراسيا أنه سمع هدير المياه قبل أن يراها، وأنه لم يكن أمامه سوى الركض نحو مكان مرتفع، بينما انهار جسر فوق النهر خلفه، نجا بفارق ثوانٍ، بعدما تشبث بجدار أحد الأديرة، لكن شقيقته وزوجها لم يحالفهما الحظ.

وبينما يحمد «تشوراسيا» الله على نجاته، لم يتمكن من حبس دموعه وهو ينظر إلى المكان الذى كان يحتضن منزله المكون من ثلاثة طوابق، لم يبقَ منه حجر واحد تقريباً، ولا طعام ولا ملابس ولا ممتلكات يمكن العودة إليها، وقال فى مشهد يلخص مأساة آلاف الناجين: «الفيضان أخذ كل ما أملك فى لحظات».

وترى «الجارديان» أن كارثة نيبال تعيد تسليط الضوء على هشاشة المجتمعات الجبلية أمام الظواهر الطبيعية شديدة التطرف، وعلى الحاجة إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين جاهزية المناطق المعرضة للفيضانات والانهيارات، وتطوير خطط الإجلاء والاستجابة السريعة، كما تبرز أهمية الاستثمار فى البنية التحتية القادرة على الصمود أمام الكوارث، خصوصاً فى المناطق التى تتقاطع فيها مخاطر ذوبان الجليد والفيضانات المفاجئة والانهيارات الأرضية.

وفى بلد تتداخل فيه الجبال الشاهقة والأنهار السريعة والكتل الجليدية مع تجمعات سكانية ومشروعات اقتصادية، فإن بناء القدرة على التكيف لم يعد خياراً تنموياً، بل ضرورة لحماية الأرواح وسبل العيش، وبينما تستمر المروحيات فى التحليق فوق الوديان بحثاً عن ناجين، يبقى السؤال الأكبر هو: كيف يمكن تحويل دروس هذه الكارثة إلى سياسات تمنع تكرار المأساة، أو على الأقل تحد من خسائرها، فى منطقة أصبحت شديدة الحساسية أمام التغيرات المناخية والطبيعية المتسارعة؟