رغم كتابة نجيب محفوظ لروايات تُجسِّد الواقع المصري، لكنها نجحت فى الوصول به إلى العالمية والحصول على جائزة نوبل، الشيء الذى ساهم فى تخليد اسمه حتى اليوم، ولكونه أديبًا عالميًا، ستجد الكثير من أدباء الشرق والغرب، يتحدثون ويشيدون به فى الصحف، والتلفزيون، والمحافل الدولية والمحلية، لكننا نسأل أحيانًا: كيف رآه أصدقاؤه وأساتذته، وكيف كانت علاقته بهم؟
نجيب محفوظ وطه حسين
رغم كتابات طه حسين عن نجيب محفوظ، وإشادته برواياته، لكنهما لم يلتقيا سوى مرتين فقط -حسب المصادر التى حكت القصة- الأولى كانت فى تقدمه للالتحاق بكلية الآداب، وقتها كان طه حسين ضمن لجنة اختبار القسم، فسأله: “لماذا تغرب فى الالتحاق بقسم الفلسفة؟”، فأجابه قائلاً: “أريد اكتشاف سر الوجود”، أما المرة الثانية، فكانت فى لقاء تلفزيونى فى فترة الستينيات، وأشاد به ضمن مجموعة من الكُتّاب الذين يعتبرون طه حسين مثلاً أعلى لهم، إذ قال: “أنت أدبك ملتزم بالتقاليد المصرية وثقافة الحارة المصرية”۔
لكن هذا لا يمنع أن نجيب محفوظ تأثر بطه حسين بشكل كبير، حتى أنه استلهم من كتابه الأيام كتابًا يحكى فيه عن حياته، وأسماه: “الأعوام.. سيرة الطفولة”، لذا فنجيب محفوظ يعتبر نفسه تلميذًا لطه حسين۔۔ لكن قلة لقاءاتهما لم تمنع طه حسين من الإشادة به، والكتابة عن رواياته، فطه حسين الذى لا يُجامل أحدًا ويتمتع بذوق معقد فى القراءة حين يُشيد بأحد، فهو حقًا يستحق الإشادة، ومن أبرز ما قاله طه حسين عن نجيب محفوظ فى مقالات ولقاءات أخرى:
تحدث طه حسين فى لقاء نادر، عن مخالفة الجيل الجديد لمنهج الجيل الماضى من المبدعين، لكنهم فى نفس الوقت يدعون أنهم تلامذة للجيل الماضي، لكنه أيضًا برّأ نجيب محفوظ من هذه التهمة، ورأى أنه يتبع منهج الجيل القديم ولم يُخالف قيَمه فقال: “خذ نجيب محفوظ، إنه تلميذ من تلامذة قسم الفلسفة بكلية الآداب، ومنهجه هو منهج الجيل الماضى نفسه. ولهذا تجد أن لديه خيالا خصبًا استطاع به أن يكون متفردًا ومتفوقًا”.
كتب طه حسين مقالاً يمدح فيه ىظاية “بين القصرين”، ويُشيد بأسلوب نجيب محفوظ، وأوضح أنها ثانى رواية يقرؤها بعد “زقاق المدق”، ومن أبرز ما قاله: “امتاز أسلوب نجيب محفوظ فى هذه الرواية، بالإتقان والروعة والعمق والدقة، حتى أصبح تأثيرها مثل السحر على القارئ، وقد انفرد بذلك عن أى كاتب غيره، وهذه الرواية من أروع ما قرأت”۔
رجاء النقاش ونجيب محفوظ
لم يحكى الكثيرون عن بداية لقاء نجيب محفوظ ورجاء النقاش، لكنهم حكوا عن علاقتهما لقوية، وترابطهما فى كل المواقف والأزمات، حتى أن نجيب محفوظ أرسل رسالة لرجاء النقاش، يُخبِره عن قلقه عليه حين كان يعمل فى قطر، إذ كانت تلك الفترة شديدة الحساسية، بسبب المقاطعة العربية لمصر بعد معاهدة السلام، وحين اقترح عليه مركز الأهرام للترجمة والنشر كتابة مذكراته، رشح رجاء النقاش ليكتب المذكرات، ويحكى رجاء النقاش عن تلك الفترة قائلاً:
“لا أظن أننى عانيت فى حياتى الثقافية كلها مثلما عانيت فى إعداد هذا الكتاب.. وقصة هذا الكتاب تبدأ عندما عرض على مركز الأهرام للترجمة والنشر فكرته فى أوائل سنة 1990. وعندما استمعت إلى الفكرة رحبت بها وتحمست لها أشد الحماس، فى أول أغسطس سنة 1990 بدأت لقاءاتى مع نجيب محفوظ، وكنت أطرح عليه الأسئلة، فيجيبنى عنها بصبر شديد ورحابة صدر كاملة وتوضيح لكل استفسار من أى نوع. وكنا نلتقى فى الصباح الباكر فى حدود الساعة الثامنة، ونواصل هذا اللقاء ما يقرب من ثلاث ساعات. واستمرت هذه اللقاءات حتى أواخر عام 1991، وكنت ألتقى مع نجيب محفوظ فى هذه المواعيد أربعة أيام فى الأسبوع. وأحياناً كنا نعيد الأسئلة، ونعيد تسجيل الإجابات طلباً لمزيد من الدقة والوضوح. وأخيراً توافر لى من هذه التسجيلات ما يقرب من خمسين ساعة كاملة”.
يوسف القعيد ونجيب محفوظ
يوسف القعيد واحد من تلامذة نجيب محفوظ وأوفى أصدقائه الشباب -فى تلك الفترة-، وقد حزِن كثيرًا بعد وفاته، وشعر بفجروة لم يتمكن أحد من رتقها فى حياته، فمن الصعب أن تفقِد أستاذًا ومعلمًا أثر فى شخصيتك، واستفدت من خبرته فى الأدب والحياة۔۔ من أبرز ما قاله يوسف القعيد عن نجيب محفوظ:
“لقد كان نجيب محفوظ يقدس قيمة الوقت، ويعرف جيدًا كيف ينظمه، حتى كتب عنه الكاتب محمد عفيفى مقال بعنوان “الرجل الساعة”، وأقرب أعماله إلى قلبى هى ملحمة “الحرافيش”، فقد كان جميلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وظهرت تجليات نجيب محفوظ جليًا بها، حتى أنها وصلت لمستوى الشعر أحيانًا فى طريقة الحوار”.


تعليقات