لم تكن علاقة نجيب محفوظ بالفن التشكيلي عابرة، بل امتدت من اهتمامه المبكر بالفن وزياراته للمتاحف إلى صداقاته مع الفنانين، وارتباط أعماله الأدبية بتجارب تشكيلية متعددة، فمن جمال قطب وحلمي التوني إلى محمد عبلة، تحولت شخصيات محفوظ وأماكنه وعوالمه الأدبية إلى صور وألوان، لتنشأ علاقة متبادلة بين الكلمة والصورة.
جمال قطب مسؤولاً عن تصميم أغلفة أعمال محفوظ:
بدأت العلاقة في منتصف الستينيات عندما عمل جمال قطب مع “دار مصر للطباعة والنشر”، ثم أصبح مسؤولاً عن تصميم أغلفة أعمال محفوظ، ووفق شهادة قطب المنشورة في موقع قطاع الفنون التشكيلية، فقد رسم أغلفة روايات محفوظ ومجموعاته القصصية، بما فيها الأعمال التي كانت قد صدرت قبل بداية تعاونهما، إذ كان يعيد رسم أغلفتها عند إعادة طباعتها.
واللافت أن قطب لم يكن يتعامل مع الغلاف باعتباره زخرفة للكتاب فقط، فقد ذكر أنه كان يقرأ أعمال محفوظ ويذهب إلى الأماكن التي تدور فيها الأحداث، مثل الحسين والأحياء الشعبية، لكي يرى البيئة التي وصفها محفوظ بنفسه، كما كان يهتم بتفاصيل الشخصيات التي يصفها الكاتب.

رواية نجيب محفوظ
محفوظ كان يرى الرسم إضافة إلى النص:
بحسب شهادة جمال قطب المنشورة على موقع قطاع الفنون التشكيلية، كان محفوظ يناقشه ويطلع على عمله، لكنه لم يكن يفرض عليه طريقة معينة في الرسم، كما نقل قطب أن محفوظ كان يرى أن الرسم إضافة إلى النص وليس انتقاصا منه، وهذا معناه أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة كاتب يفرض على الرسام ماذا يرسم، وإنما علاقة نص أدبي يفتح مجالا لتفسير تشكيلي مستقل.
الرواية تحولت إلى صورة:
وعرف عن جمال قطب إنه كان يحاول الالتزام برؤية محفوظ للشخصيات والأحداث، ولذلك كان يقرأ النص بعناية قبل رسم الغلاف، وقد وصف نفسه بأنه كان بمثابة “القارئ الأول” لأعمال محفوظ، وهذا يجعل غلاف الرواية نوعاً من الترجمة البصرية للنص الأدبي حيث كان محفوظ يستخدم الكلمات لوصف المكان والشخصية والحركة، بينما يستخدم الفنان اللون والخط والملامح والتكوين لتحويل هذه العناصر إلى صورة.

روايات نجيب محفوظ
المكان المصري في أعمال محفوظ وأغلفة قطب:
عالم محفوظ مليء بالقاهرة القديمة: الحسين، الحارات، الأزقة، البيوت، المقاهي، الأسواق والشخصيات الشعبية. ولذلك وجد الفنان التشكيلي مادة بصرية غنية جداً في رواياته، جمال قطب تحدث عن ذهابه إلى الأماكن التي استوحى منها محفوظ رواياته، ومحاولته مشاهدة التفاصيل الموجودة فيها على الطبيعة. وكان يرى أن رؤية المكان الحقيقي تساعده في تكوين صورة الغلاف.
شخصيات محفوظ أصبحت بصرية في أغلفة قطب:
لم يكن المكان وحده هو الذي انتقل من الأدب إلى الرسم، الشخصيات نفسها أصبحت عنصراً أساسياً في أغلفة محفوظ، قطب ذكر أن وصف محفوظ لشخصياته كان دقيقاً جداً، من حيث الشكل والطباع والصفات، وهو ما ساعده في تحويلها إلى شخصيات مرئية.
ثم جاء حلمي التوني ليشكل عالم نجيب محفوظ البصري:
تعود إحدى البدايات المهمة في علاقة الفنان حلمي التوني بأدب نجيب محفوظ إلى فترة دراسة التوني في كلية الفنون الجميلة، فبحسب السيرة المنشورة على موقع قطاع الفنون التشكيلية، طلب منه أستاذه الفنان عبد السلام الشريف أن يضع تصميماً لغلاف مجموعة من الرسوم لرواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، ولم يتعامل التوني مع المهمة باعتبارها مجرد رسم توضيحي للنص، بل بدأ بالبحث عن زقاق المدق في القاهرة القديمة، وشاهد البيوت والسكان على الطبيعة، وقام بعمل رسوم سريعة للمكان، ويذكر التوني أن هذه التجربة كانت أول خطوة له في طريق الرسم الصحفي بالمعنى العلمي.
اكتشاف العلاقة بين الفن والكتاب
تكشف هذه التجربة المبكرة عن وعي حلمي التوني بأن الكتاب يمكن أن يكون مجالاً للفن التشكيلي، وليس مجرد وسيط للنص المكتوب، فقد ذكر التوني، وفق المادة المنشورة في قطاع الفنون التشكيلية، أن “زقاق المدق” كانت أول رواية يرسمها، وأنها كانت المرة الأولى التي أدرك فيها أن للفن علاقة بالكتاب، ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة التوني مع أعمال محفوظ باعتبارها نقطة التقاء بين عالمين: عالم الأدب الذي يبني الشخصيات والأماكن بالكلمات، وعالم الفن التشكيلي الذي يحاول تحويل هذه العناصر إلى صورة مرئية.
أغلفة الكتب وتحول النص إلى صورة
أصبح الغلاف بالنسبة إلى التوني مساحة يلتقي فيها الأدب بالفن التشكيلي، فالنص الأدبي يقدم العالم والشخصيات والأحداث، بينما يقوم الفنان باختيار عناصر محددة وإعادة صياغتها بصرياً في مساحة محدودة هي غلاف الكتاب.
المرأة بين أدب محفوظ وفن التوني
من العناصر التي يشير إليها المصدر الرسمي لقطاع الفنون التشكيلية ،صورة المرأة في أعمال نجيب محفوظ وحلمي التوني، فالمادة ترى أن أغلفة التوني لروايات محفوظ تقدم المرأة بصيغ بصرية متعددة، فتارة تظهر في لقطة قريبة تجعلها مركز الاهتمام، وتارة تظهر ضمن المكان والعناصر المحيطة بها، كما يمكن أن يستخدم الفنان جزءاً من جسدها للتعبير عن حضورها الكامل.
فعلى سبيل المثال غلاف رواية “ليالي ألف ليلة”، حيث استخدم التوني صورة الشفاه بوصفها إشارة إلى شهرزاد والحكي، فإن هذا الاختزال البصري يربط بين المرأة ووظيفتها الأساسية في الحكاية، ويجعل جزءاً من الجسد علامة تشير إلى الشخصية بأكملها، يمثل غلاف “ليالي ألف ليلة” مثالاً مهماً على الطريقة التي يمكن أن يتحول بها النص الأدبي إلى رمز تشكيلي، فبدلاً من تقديم شهرزاد بصورة كاملة، يعتمد التوني على الشفاه بوصفها علامة مرتبطة بفعل الحكي، وهنا نلاحظ أن الفنان لا يقدم صورة حرفية لما ورد في الرواية، وإنما يستخرج منها فكرة أو رمزاً ثم يعيد صياغته بصرياً وهذا ما يجعل الغلاف قراءة تشكيلية للنص، وليس مجرد رسم لشخصية روائية.
حين اكتشف محمد عبلة العين الفنية لمحفوظ
يروي الفنان محمد عبلة، أنه عندما التقى نجيب محفوظ للمرة الأولى عام 1968، قال له محفوظ: “أنت رسام يا بختك”، وهو ما دفعه إلى الاعتقاد بأن الأديب الكبير لا يملك اهتماماً حقيقياً بالفن التشكيلي، إلا أن هذا الانطباع تغير تمامًا خلال إحدى جولاتهما في منطقة الحسين ومقهى الفيشاوي، حين توقف محفوظ أمام المشهد البصري للشارع وقال لعبلة إن اللون الذهبي الذي يملأ المكان يحتاج إلى صفحات من الكتابة لوصفه، بينما يستطيع الرسام أن ينقله في دقائق باستخدام الألوان والفرشاة، ومن هذه اللحظة أدرك عبلة أن محفوظ كان يمتلك عيناً فنية وحساً بصرياً عميقاً، وأن علاقته بالفن لم تكن بعيدة كما تصور في البداية.
الجمالية.. بين محمد عبلة ونجيب محفوظ
كما يرى محمد عبلة أن هناك صلة خاصة بين نجيب محفوظ وحي الجمالية، وهو الحي الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بعالمه الأدبي وشخصيات رواياته، ويقول عبلة إنه رسم الجمالية في أعمال كثيرة، وكان يشعر أثناء وجوده في الحي بأن نجيب محفوظ يسير في كل مكان، وكأن حضور الأديب ظل حاضراً في تفاصيل المكان وشوارعه وملامحه، وجاء ذلك في أحدى الندوات الثقافية بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب حينما تم اختيار نجيب محفوظ شخصية عام المعرض.
السياسة والمجتمع.. موضوعات جمعت الأدب والفن
ولا تقتصر نقاط الالتقاء بين محفوظ والفن على اهتمامه بالمشهد البصري، وإنما تمتد أيضاً إلى اهتمامه بالشأن السياسي والاجتماعي، وهي الموضوعات التي انعكست على كتاباته كما حضرت في أعمال عبلة الفنية.
وأشار محمد عبلة إلى تأثره بمحفوظ في هذا الجانب، موضحًا أنه كان شديد الاهتمام بالسياسة، ورسم عدداً كبيراً من الشخصيات الاجتماعية والسياسية داخل لوحة واحدة، في محاولة لالتقاط صورة المجتمع وتحولاته من خلال الفن.
من غرفة المومياوات بدأت الحكاية
كما يكشف حديث محمد عبلة عن جانب مبكر من علاقة محفوظ بالفن؛ إذ كان الأديب، منذ صغره، يزور المتاحف، ومن بينها غرفة المومياوات، وهو ما أسهم في تكوين عينه البصرية وفتحها على عالم الفن والتاريخ والصورة.
محفوظ ورواد الفن التشكيلي
وكان نجيب محفوظ بحسب عبلة مهتماً بعدد من أبرز الفنانين المصريين، من بينهم محمود سعيد، ومحمد ناجي، وكمال التلمساني، ورمسيس يونان، كما انجذب إلى المدرسة السريالية وكتب عنها، ويشير ذلك إلى أن علاقة محفوظ بالفن التشكيلي لم تكن مجرد اهتمام عابر، وإنما كانت جزءا من ثقافته البصرية ومن تكوينه الفكري والجمالي، وهو ما انعكس على طريقته في وصف الإنسان والمكان والحياة المصرية.

تعليقات