أشرف غريب يكتب: فاروق وكاميليا في ذكرى سقوطها الغامض
أشرف غريب يكتب: فاروق وكاميليا في ذكرى سقوطها الغامض
ظلت أسرة محمد على طوال العقود الماضية تتعرض لكثير من الهجوم والانتقاد، بعض هذه الانتقادات كانت فى محلها، وبعضها الآخر أصابها كثير من الشطط والهوى، وفى تقديرى أن أكثر أبناء أسرة محمد على عُرضة للانتقاد والهجوم كان الخديوى إسماعيل والملك فاروق، رغم أن الاحتلال الإنجليزى دخل مصر فى عهد توفيق والانتداب البريطانى تم إعلانه بالتزامن مع تولى السلطان حسين كامل، وإذا كان «إسماعيل» قد ظل موصوماً بأنه الذى أغرق مصر بالديون فى مسعاه لجعل البلاد قطعة من أوروبا، فإن «فاروق» اقترن اسمه دائماً بالسعى وراء ملذاته وعلاقاته النسائية المتعددة ولا سيما مع نجمات عصره من الفنانات، وأشهرهن على الإطلاق كانت «كاميليا» التى لقيت مصرعها فى حادث طائرة غامض فى مثل هذه الأيام فجر الحادى والثلاثين من أغسطس 1950 فى واحدة من أسوأ حوادث الطيران خلال القرن العشرين، وقيل الكثير عن ملابسات هذا الحادث وعن ضلوع أكثر من جهة فى عملية التخلص من «كاميليا» لأسباب ترتبط جميعها بعلاقتها الخاصة بالملك فاروق، فهل كانت «كاميليا» حقاً واحدة من محظيات الملك السابق أم كان ذلك رغبة فى تشويه صورة الملك عند الإطاحة به فى أعقاب ثورة يوليو 1952؟
و«كاميليا» هذه هى ليليان فيكتور كوهين، المولودة لأم مسيحية كاثوليكية ذات أصول إيطالية اسمها أولجا لويس إبنور، أنجبتها الأم من علاقة غير شرعية ونسبتها إلى صديق يهودى يونانى كان يقيم بالإسكندرية رغم أنها قامت بتعميدها بإحدى كنائس المدينة على الطريقة المسيحية، وهكذا عاشت «كاميليا» لا أحد يعرف لها ديناً وإن ظلت تعتز بانتمائها إلى الرجل اليهودى الذى حملت اسمه، وبقى يهود مصر يعتبرونها واحدة منهم ولا يعترفون بغير ذلك، تعرفت «كاميليا» على ملك مصر أثناء إحدى سهراتها فى ملهى «الأوبرج» بصحبة مكتشفها أحمد سالم، ليلتها أرسل الملك وراءها من يطلب منها مقابلة «فاروق» فى قصر عابدين فى اليوم التالى، ومنذ تلك اللحظة أصبحت «كاميليا» إحدى محظيات الملك وواحدة ممن يفرض عليهن حمايته، وهناك روايتان تحددان مدى قوة العلاقة التى كانت تجمع فاروق بكاميليا، وهل طالت هذه العلاقة المبالغات والمغالطات المعتادة أم أنها كانت حقيقة لا شك فيها؟
الرواية الأولى وبحسب كتاب «الملف السرى للملك فاروق» الذى كتبه «هيوج ماكليف» وترجمه أحمد فوزى والصادر عن دار الهلال سنة 1977 فإن «فاروق» كان يصطحبها معه فى رحلاته الخارجية، وتسبب ذلك فى كثير من الحرج السياسى لمصر، مثلما حدث أثناء رحلتهما إلى جزيرة قبرص قبيل وقوع حرب فلسطين سنة 1948، وقد أدى اقتراب «كاميليا» من الملك فى ذلك التوقيت الحرج إلى استفادة الوكالة اليهودية منها كى تصبح عيناً لها داخل القصر الملكى دون أن يأبه الملك الشاب بحساسية الوضع السياسى ساعتها، حتى إن هيوج ماكليف يذكر فى كتابه أن مشادة حامية وقعت بين الملك ورئيس وزرائه محمود فهمى النقراشى على خلفية علاقة الأول بالممثلة الشهيرة إذ كيف يكون على علاقة بفتاة يهودية فى الوقت الذى تعتبر فيه مصر الحركة اليهودية الصهيونية عدوة لها؟ وأن هذا مبعث استفزاز عظيم للشعب المصرى كله، وأن الملك كان مُصراً على موقفه وأنه لن يسمح لأحد حتى لو كان رئيس وزرائه بالتدخل فى شئونه الخاصة، ويقال إن «النقراشى» بعد تلك المناقشة أوعز إلى أجهزته بضرورة إنهاء هذه العلاقة مهما كان الثمن.
أما الرواية الثانية فيذكرها شكرى راغب الذى كان مديراً لدار الأوبرا الخديوية فى كتابه «الباب الخلفى»، حيث يقول إن «إدوارد» الأخ غير الشقيق لكاميليا دعاه ذات ليلة إلى سهرة بفيلا فى شارع عكاشة بالجيزة دون أن يعرف هوية صاحب الفيلا، وهناك شاهد «كاميليا» مع ثلاث راقصات باليه أجنبيات، وقال له «إدوارد» فى البداية إنها فيلا أخته، وبعد إبداء شكرى راغب دهشته وإلحاحه فى معرفة الحقيقة قال له «إدوارد»: أنت فى ضيافة مولانا، ثم اتضح أن لفاروق فى هذا الشارع الهادئ ثلاث فيلات خصّ «كاميليا» بواحدة منها، وأنه كان يقف فى شرفة الفيلا المواجهة يرقب المشهد برمته حتى يختار راقصة الباليه التى يظفر بها فى تلك الليلة، فى دليل قاطع على أن «كاميليا» لم تكن فقط إحدى محظيات الملك السابق بل كانت أيضاً هى وأخوها يرتبان للملك سهراته الخاصة.
وهكذا جاءت الشهادتان الإنجليزية والمصرية لتؤكدا صحة الانتقادات التى كانت توجه إلى الملك السابق بسبب علاقته بالممثلة «كاميليا»، ومع ذلك قيل أيضاً إنه ربما يكون -هو الآخر- ضالعاً فى حادث مصرعها الغامض رغبة منه فى طى إحدى صفحاته السوداء.


تعليقات