يهودى مصرى حارب الصهيونية قبل النكبة.. حكاية صادق سعد

يهودى مصرى حارب الصهيونية قبل النكبة.. حكاية صادق سعد

فى منتصف عام 1945، وفى “كازينو صفية حلمي” المطل على ميدان الأوبرا بالقاهرة، جرى لقاء ربما لم يكن أصحابه يعرفون أنه سيترك بعد نحو عامين واحدًا من النصوص المصرية المبكرة فى نقد الصهيونية ومشروعها فى فلسطين.

اجتمع يومها عدد من قيادات جماعة “الفجر الجديد” المصرية، وبينهم صادق سعد ويوسف درويش، مع أعضاء من “عصبة التحرر الوطنى فى فلسطين”، التنظيم اليسارى الذى نشأ فى فلسطين خلال أربعينيات القرن العشرين، وكان اللقاء جزءًا من محاولة للتنسيق من أجل طرح القضية الفلسطينية أمام الحركة العمالية العالمية.

وفى ذلك الاجتماع، استمع صادق سعد إلى عرض عن القضية الفلسطينية أثار اهتمامه، وطلب من الجانب الفلسطينى أن يرسل إليه ما يمكن من المراجع والمصادر والدراسات حتى يتمكن من الكتابة عنها.

وصلت الكتب والأوراق بالفعل إلى القاهرة، وفى يوليو 1945 بدأ صادق سعد العمل، وفى مارس 1946 انتهى من كتابه، وفى أوائل عام 1947 خرج إلى النور بعنوان “فلسطين بين مخالب الاستعمار”.
قبل النكبة، وقبل إعلان دولة إسرائيل، وقبل أن يصبح تقسيم فلسطين حقيقة سياسية فرضتها الحرب، والأكثر إثارة أن الرجل الذى كتب الكتاب، ورفض الصهيونية، وانتقد المشروع الاستيطاني، ودافع عن دولة فلسطينية واحدة يعيش فيها العرب واليهود بحقوق متساوية، كان يهوديًا مصريًا.

فلسطين بين مخالب الاستعمار
فلسطين بين مخالب الاستعمار

من إيزيدور سالتيل إلى أحمد صادق سعد

تكشف مقدمة الطبعة الجديدة، التى كتبها شهاب إسماعيل، حفيد أحمد صادق سعد من ناحية الأم، تفاصيل شديدة الأهمية عن حياة الرجل وتكوينه.
ولد فى حى شبرا بالقاهرة سنة 1919 لأسرة يهودية استقرت فى مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكان اسمه عند الميلاد إيزيدور سلفادور رفائيل سيمون سالتيل.
جاء جده من ناحية الأب إلى مصر من مدينة إزمير التركية، وكان ينتمى إلى اليهود السفارديم الشرقيين الذين خرج أسلافهم من إسبانيا عقب طرد اليهود منها سنة 1492، وانتشروا بعد ذلك فى مناطق خاضعة للدولة العثمانية.
أما والدته فكانت من اليهود الأشكناز المنحدرين من وسط أوروبا وشرقها، وولدت فى مدينة أوديسا، الواقعة فى أوكرانيا الحالية.

توفى والده سنة 1930، وافتقرت الأسرة بعد موته، وانتقلت إلى الإسكندرية عدة سنوات، قبل أن يعود صادق سعد إلى القاهرة ويلتحق بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًا، ويتخرج فى كلية الهندسة، قسم الكهرباء، سنة 1942.
كانت مصر وطنه الذى اختار أن يربط مصيره به، وسيصبح هذا الاختيار لاحقًا جزءًا أساسيًا من موقفه من الصهيونية.

أحمد صادق سعد
أحمد صادق سعد

يهودى مصرى يرفض فكرة “الوطن القومي”
 

بحسب شهاب إسماعيل، اتخذ صادق سعد موقفًا مناهضًا للصهيونية منذ بدايات تشكل وعيه السياسي، وقد التقت فى تكوين هذا الموقف عدة عوامل منها كونه يهوديًا مصريًا يعيش فى زمن يشهد صعود الفاشية والنازية والاضطهاد العنصرى ضد اليهود فى أوروبا، وتصاعد النشاط الصهيونى فى فلسطين، إلى جانب تأثره بالفكر الماركسى وانخراطه فى الحركة الشيوعية المصرية.
ولم يكن وحيدًا، فالمقدمة تلفت إلى وجود عدد من اليهود المصريين المنتمين إلى الحركة الشيوعية الذين رفضوا الصهيونية، ومن بينهم يوسف درويش وريمون دويك وشحاتة هارون وإدجار آريه.
وهذه النقطة مهمة لأنها تكسر واحدة من الصور الشائعة التى تساوى تاريخيًا بين اليهودية والصهيونية، فقد كان هناك يهود رأوا فى الاضطهاد الذى تعرض له يهود أوروبا كارثة ينبغى مقاومتها، وفى الوقت نفسه رفضوا أن يكون حل هذه الكارثة إقامة وطن لليهود على حساب الشعب الفلسطيني.

ومن التفاصيل اللافتة التى تكشفها المقدمة أن قراءة صادق سعد المبكرة لكتاب “اضمحلال اليهودية” الصادر سنة 1931 لأوتو هيلر، الكاتب اليهودى الشيوعي، ساهمت فى بلورة رؤيته.

كان التصور الذى تأثر به يقوم على أن خلاص اليهود من الاضطهاد الذى تعرضوا له عبر التاريخ لا يأتى بتكوين جماعة دينية منفصلة والبحث عن “أرض ميعاد”، وإنما بالاندماج فى المجتمعات التى يعيشون فيها والمشاركة فى حركات التحرر داخلها.

اختار صادق سعد هذا الطريق لنفسه، وتخلى عن اسمه الذى كان يراه أجنبيًا ويهوديًا واتخذ اسم “صادق سعد”، وبدأ تعلم أصول اللغة العربية على يد شيخ أزهرى حتى يستطيع الكتابة بها، فقد كان تعليمه الأساسى باللغة الفرنسية، شأن عدد كبير من اليهود المصريين آنذاك.
وتستخدم مقدمة شهاب إسماعيل كلمة شديدة الدلالة لوصف الطريق الذى اتخذه “التمصير”، فإذا كانت الصهيونية تدعو اليهود إلى الهجرة وتأسيس دولة يهودية، فقد اختار هو البقاء فى مصر وربط مصيره بها، وظل يهوديًا حتى عام 1957، حين أشهر إسلامه وأصبح “أحمد صادق سعد” اسمه الرسمي.
وهذا التسلسل الزمنى يحسم نقطة أساسية، هى أن معاداته للصهيونية سبقت إسلامه بسنوات طويلة، وبالتالى يصعب تفسير موقفه من الصهيونية بتحوله الدينى اللاحق.

“الفجر الجديد” وفلسطين

انخرط صادق سعد مع يوسف درويش وريمون دويك فى حلقة شيوعية صغيرة تطورت إلى المجموعة المعروفة باسم “الفجر الجديد”، وعرفت فى إحدى مراحلها باسم “طليعة العمال”، ثم اتسعت المجموعة وضمت مثقفين ماركسيين وقيادات عمالية، خاصة فى مصانع الغزل والنسيج بشبرا الخيمة، وأصدرت مجلة “الفجر الجديد” نصف الشهرية خلال عامى 1945 و1946، وأسست دار نشر باسم “دار القرن العشرين”، كما شاركت فى تكوين “اللجنة الوطنية للعمال والطلبة” سنة 1946.
ومن الملفات التى أولتها “الفجر الجديد” عناية خاصة القضية الفلسطينية، فقد تعامل أعضاؤها معها باعتبارها اختبارًا للتضامن العربى والأممى مع الشعوب الواقعة تحت الاستعمار.
وفى سنة 1945 حاولت المجموعة تنظيم مؤتمر للتضامن مع الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، إلا أن قوات الأمن منعته، فنشرت “دار القرن العشرين” الأوراق التى كانت معدة للمؤتمر فى كتيب حمل عنوان “دفاعًا عن فلسطين”، وفى تلك البيئة الفكرية والسياسية بدأ مشروع كتاب صادق سعد.
 

كتاب وراءه مصريون وفلسطينيون

ربما تكون هذه أهم إضافة تقدمها مقدمة شهاب إسماعيل إلى تاريخ الكتاب، فـ”فلسطين بين مخالب الاستعمار” لا ينبغى قراءته، بحسب المقدمة، باعتباره اجتهادًا شخصيًا لصادق سعد وحده، إنه أيضًا ثمرة تبادل فكرى بين اليسار المصرى والفلسطينى فى الأربعينيات.
ففى منتصف 1945 التقى أعضاء “الفجر الجديد” فى القاهرة ممثلين عن “عصبة التحرر الوطنى فى فلسطين”، وهى حركة يسارية فلسطينية تأسست سنة 1943 فى ظرف سياسى شديد الاضطراب أعقب الثورة العربية الكبرى فى فلسطين 1936–1939 وتصاعد مشاريع تقسيم البلاد.

كان الهدف من اجتماع القاهرة التنسيق قبل انعقاد المؤتمر الأول للاتحاد العالمى لنقابات العمال فى باريس فى سبتمبر 1945، حتى تتمكن القضية الفلسطينية من الوصول إلى الساحة الدولية.
ونجحت الجهود، بحسب المقدمة، فى إلغاء قرار مؤيد للصهيونية كان قد مر فى اجتماع تحضيري، كما شهد المؤتمر حضورًا عربيًا نقابيًا من فلسطين ومصر ولبنان وسوريا.
وعقب العرض الذى قدمه أحد الفلسطينيين عن القضية فى لقاء ميدان الأوبرا، طلب صادق سعد المراجع، وأرسلت إليه بالفعل مواد من مكتبة فلسطينية خاصة بعد العودة من باريس، وهكذا بدأ تأليف الكتاب.

بدأه سنة 1945 وأنهاه سنة 1946

الكتاب صدر فى أوائل 1947، لكنه لم يبدأ حينها، فقد بدأ صادق سعد تأليفه فى يوليو 1945 وانتهى منه فى مارس 1946، وتوضح المقدمة أنه اعتمد بصورة كبيرة على المواد الفلسطينية التى وصلته، وأن تحليله تقاطع مع أفكار وردت فى مذكرة أعدتها “عصبة التحرر الوطني” بعنوان “العقدة الفلسطينية والطريق إلى حلها”، وقدمت إلى حكومة العمال البريطانية سنة 1945.
وأحد أكثر الأجزاء إثارة فى قراءة “فلسطين بين مخالب الاستعمار” اليوم هو الطريقة التى درس بها صادق سعد المشروع الصهيونى على الأرض، فلم يكتف بالنقاش حول الدين أو التاريخ أو الادعاءات القومية، لكنه ركز على الأرض والعمل والاقتصاد، وتناول شراء الأراضى من كبار الملاك وما يصاحب ذلك من إخراج الفلسطينيين منها، ثم تحدث عن سياسة “احتلال العمل” أو تطبيق مبدأ “العمل العبري”، أى استبعاد العمال العرب من المؤسسات اليهودية واستبدال العمال اليهود بهم بهدف بناء اقتصاد يهودى مستقل، واستخدم كلمة «الاحتلال» بمعنى الاستيطان فى زمن لم يكن فيه تعبير “الاستعمار الاستيطاني” قد أصبح مصطلحًا شائعًا فى الدراسات الأكاديمية كما سيحدث لاحقًا.
أى أن الكتاب كان يبحث فى كيفية بناء المجتمع الاستيطاني، وليس فقط فى الخطاب الذى تستخدمه الحركة الصهيونية لتبريره.

رفض تقسيم فلسطين

وتقود هذه الرؤية إلى أحد أكثر مواقف صادق سعد وضوحًا، رفض تقسيم فلسطين إلى دولتين رفضًا كاملًا، وتبنى الحل الذى كانت تطرحه «عصبة التحرر الوطني»، استقلال فلسطين الكامل عن بريطانيا وإقامة دولة فلسطينية واحدة ذات حقوق متساوية لجميع سكانها، عربًا ويهودًا.
واللافت أن ما سيُعرف بعد حرب 1967 بسنوات طويلة باسم “حل الدولة الواحدة” كان حاضرًا فى هذا الكتاب سنة.

اليهود ليسوا الصهيونية

ميز صادق سعد بين اليهود والصهيونية، وحاول فهم الظروف التاريخية التى دفعت أعدادًا من يهود أوروبا إلى الهجرة، تصاعد معاداة السامية منذ أواخر القرن التاسع عشر، والمذابح التى استهدفت اليهود فى روسيا وأوكرانيا، ثم الاضطهاد العنصرى والإبادة فى عهد النازية.

ورفض التعامل مع جميع اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين، أو أبنائهم، باعتبارهم صهاينة بالفطرة، وكان يرى تقاطعًا تاريخيًا بين اضطهاد اليهود فى أوروبا واستعمار فلسطين، من دون أن يجعل الأول مبررًا للثاني، وهذه واحدة من أقوى المفارقات فى قصته، يهودى عاش زمن اضطهاد اليهود، ورفض الصهيونية فى الوقت نفسه.

لم تنته قصة “فلسطين بين مخالب الاستعمار” عند طبعته الأولى، ففى سنة 1973 أعد صادق سعد نسخة منقحة وموسعة تغطى الأحداث التى شهدها العالم منذ النكبة وقيام إسرائيل، إلا أن المشروع ظل حبيس الأدراج، وفى عام 1981 أعاد نشر الكتاب ضمن مجلد حمل عنوان “الأعمال الأولى”.