محنة الإمام البخاري، كيف انتهت قصة صاحب «الصحيح» مع والي بخارى؟

محنة الإمام البخاري، كيف انتهت قصة صاحب «الصحيح» مع والي بخارى؟

ربما يعرف كثيرون الإمام البخاري باعتباره أحد أشهر أئمة الحديث، وصاحب كتاب «صحيح البخاري» الذي يُعد من أصح كتب الحديث، لكن قليلين يعرفون تفاصيل محنته مع أمير بخارى، وما تعرض له من اضطهاد انتهى بإخراجه من بلده، رغم المكانة العلمية التي بلغها وشهرته التي ذاعت في الآفاق، ومع ذلك، امتثل الإمام البخاري للأمر، وغادر دون أن يدخل في صخب أو ضجيج، لتبقى قصته واحدة من أبرز المحطات في سيرته، وخلال السطور التالية نستعرض تفاصيل حكاية الإمام البخاري مع والي بخارى، وإلى التفاصيل.

 

الإمام البخاري.. رحلة مع الخلود - إسلام أون لاين
حكاية الإمام البخاري مع والي مدينة بخار

 

 

نسب الإمام البخاري وسيرته

 

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَردِزبَة الجعفي البخاري، كان جده المغيرة مولى لليمان الجعفي والي بخارى، فانتسب إليه بعد إسلامه.

 ولد ببخارى سنة 194 هـ، ونشأ يتيما، وأخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة، ولما شب قام برحلة فقصد مكة وأدى فريضة الحج وبقي في مكة زمنا يتلقى العلم على أئمة الفقه والأصول والحديث، ومن ثَم بدأ يرحل ويتنقل من صقع إسلامي إلى آخر على مدى ست عشرة سنة كاملة، طاف فيها بكثير من حواضر العلم يجمع فيها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى جمع ما يزيد على 600.000 حديث ورجع إلى ألف محدث وناقشهم فيها.

وكانوا ممن عُرفوا بالصدق والتقوى وصحة العقيدة، ومن هذه الجملة الكبيرة من الأحاديث انتقى كتابه الصحيح متبعا في بحثه عن صحتها أدق الأساليب العلمية، في البحث والتنقيب وتمييز الصحيح من السقيم، وانتقاء الرواة حتى أودع كتابه أصح الصحيح، ولم يستوعب كل الصحيح. وأسماه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه).

 

 قصة الإمام البخاري مع حاكم بخار 

 

 ذكر كتاب سير أعلام النبلاء ما  رواه أحمد بن منصور الشيرازي حيث قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم أبو عبد الله بخارى نصب له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إلا استقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبقي أياما. قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج.

قال أحمد بن منصور : فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فتقدمت إليه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر؟ فقال: لا أبالي إذا سلم ديني. قال: فخرج إلى بيكند، فسار الناس معه حزبين: حزب معه، وحزب عليه، [ ص: 464 ] إلى أن كتب إليه أهل سمرقند، فسألوه أن يقدم عليهم، فقدم إلى أن وصل بعض قرى سمرقند، فوقع بين أهل سمرقند فتنة من سببه، قوم يريدون إدخاله البلد، وقوم لا يريدون ذلك، إلى أن اتفقوا على أن يدخل إليهم، فاتصل به الخبر وما وقع بينهم بسببه، فخرج يريد أن يركب. فلما استوى على دابته، قال: اللهم خر لي، ثلاثا، فسقط ميتا، فاتصل بأهل سمرقند ، فحضروه بأجمعهم، وهذه حكاية شاذة منقطعة، والصحيح ما يأتي خلافها.

 

 

قال غنجار في ” تاريخه “: سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد المقرئ ، سمعت بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب ” الجامع ” و” التاريخ ” وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس. فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضر في مسجدي، أو في داري. وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار فكان سبب الوحشة بينهما هذا.

وقال الحاكم : سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا [ ص: 465 ] بكر بن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ ” الجامع ” و” التاريخ ” على أولاده، فامتنع عن الحضور عنده، فراسله بأن يعقد مجلسا لأولاده، لا يحضره غيرهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدا. فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فلم يأت إلا شهر حتى ورد أمر الطاهرية، بأن ينادى على خالد في البلد، فنودي عليه على أتان. وأما حريث ، فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيها ما يجل عن الوصف. وأما فلان، فابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا.