الصراعات الإثيوبية تضع القرن الأفريقي على فوهة بركان.. موقع “أديس ستاندرد”: تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا وتوحد خصوم آبي أحمد يهددان بإشعال حرب إقليمية
في منتصف أغسطس الجاري، كشف زعيم قوات حركة فانو الأمهرية زيميني كاسي عن تطور قد يعيد رسم خريطة الصراع الداخلي في إثيوبيا، معلنا انضمام الجماعة إلى تحالف يضم سبع حركات أخرى مناهضة للحكومة الإثيوبية في جبهة واحدة ضد حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
كما يضم التحالف جماعات تنشط على الحدود مع السودان، إلى جانب قوى أورومية، ما يمنح التطور أبعادا تتجاوز الصراع الإثيوبي الداخلي، ويفتح الباب أمام تشابك أمني وسياسي أوسع في منطقة القرن الأفريقي؛ فبعد نحو أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي أنهى أحد أكثر الحروب دموية في تاريخ إثيوبيا الحديث، تعود المخاوف من تجدد القتال في إقليم تيجراي إلى الواجهة، مع استمرار الملفات السياسية والأمنية والإنسانية دون تسوية.
أزمة تيجراي.. شرارة لصراع إقليمي
وبينما تتصاعد التوترات بين الحكومة الفيدرالية وقيادة الإقليم، يحذر تقرير نشره موقع “أديس ستاندرد” من أن إخفاق تنفيذ بنود اتفاق السلام قد لا يعيد إثيوبيا إلى دائرة الحرب فحسب، بل قد يحول أزمة تيجراي إلى شرارة لصراع إقليمي يمتد تأثيره إلى السودان وإريتريا ومنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويشدد التقرير على تصاعد مؤشرات التوتر السياسي والعسكري في إقليم تيجراي، مضيفا: على الرغم من أن الأوضاع لم تنزلق حتى الآن إلى مستوى المواجهات الواسعة التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2020 و2022، إلا أن استمرار الملفات العالقة المرتبطة باتفاق بريتوريا، بالتزامن مع الصراعات المسلحة والأزمات السياسية في مناطق إثيوبية أخرى، قد يهيئ الظروف لاتساع نطاق أي مواجهة جديدة.
غرب تيجراي.. ملف يهدد اتفاق السلام
ويبرز التقرير وضع غرب تيجراي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، مشيرا إلى استمرار الانتهاكات بحق سكان الإقليم، إلى جانب بقاء أكثر من 740 ألف شخص ممن نزحوا من المنطقة غير قادرين على العودة إليها بأمان، وفق تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” صدر في أبريل 2026.
كما تفاقمت الأزمة مع تراجع الثقة السياسية بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا برئاسة آبي أحمد، وقيادة تيجراي؛ حيث يشير التقرير إلى إعلان جبهة تحرير شعب تيجراي في مايو الماضي إعادة تشكيل حكومة الإقليم السابقة للحرب، وإعادة المجلس التشريعي وانتخاب دبرصيون جبر ميكائيل، الملقب بـ”مقاتل الكهوف” رئيسا للإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية تحديا للترتيبات السياسية التي أعقبت اتفاق بريتوريا.

ويرى التقرير أن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع على القوة العسكرية قد يجعل كل تنازل بمثابة هزيمة، وكل تسوية تهديدا، بما يعيد إثيوبيا إلى دائرة الحرب.
مطالب بمحاسبة حكومة آبي أحمد
ويشير موقع “أديس ستاندرد” إلى أن الاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين وإقليميين لعبوا دورا رئيسيا في إنهاء حرب تيجراي، لكن مستوى الاهتمام الدولي تراجع خلال مرحلة تنفيذ اتفاق السلام.
ورغم تحذير الاتحاد الأوروبي من أن التطورات في تيجراي قد تهدد اتفاق بريتوريا، ودعوته إلى خفض التصعيد واستئناف الحوار السياسي، يرى التقرير أن البيانات والمواقف الدبلوماسية وحدها لن تحول دون اندلاع حرب جديدة.

ويدعو التقرير -في المقابل- إلى الانتقال من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى منع الصراع قبل وقوعه، من خلال إنشاء آلية سياسية مستدامة تضم الحكومة الفيدرالية وقيادة تيجراي وبقية الأطراف المعنية، إلى جانب مراقبة مستقلة لأوضاع حقوق الإنسان وحماية المدنيين، خصوصا في المناطق المتنازع عليها، مؤكدا أن دعم الشعب الإثيوبي ومحاسبة الحكومة لا يمثلان هدفين متناقضين، داعيا إلى حماية وتوسيع المساعدات الإنسانية، مع مطالبة الحكومة في الوقت ذاته بإجراءات قابلة للقياس لمنع الانتهاكات وتعزيز الحوار السياسي.
من تيجراي إلى أزمة إقليمية
ويحذر التقرير من أن تداعيات الحرب لن تتوقف عند حدود تيجراي، إذ تقع إثيوبيا في قلب منطقة تعاني أزمات أمنية وسياسية مترابطة.
فالحرب السودانية تلقي بظلالها على دول الجوار، بينما لا تزال التوترات بين إثيوبيا وإريتريا مصدر قلق، في وقت يضيف فيه سعي أديس أبابا إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر بعدا جيوسياسيا جديدا إلى المشهد.

كما يشير التقرير إلى اتهامات تحدثت عن استضافة إثيوبيا منشآت مرتبطة بميليشيات الدعم السريع السودانية، مؤكدا أن هذه الاتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل بعيدا عن التكهنات السياسية، مشددا على أن “الصراعات الداخلية الإثيوبية لم تعد قابلة للفصل عن التفاعلات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي”.
وبحسب التقرير، فإن اندلاع حرب جديدة في شمال إثيوبيا قد يتحول إلى جزء من أزمة إقليمية تشمل السودان وإريتريا والبحر الأحمر والقوى الخارجية المتنافسة.
هل يكفي وقف إطلاق النار لإنهاء الأزمة؟
ويحذر التقرير من الاعتقاد بأن وقف إطلاق النار وحده قادر على معالجة الأزمة، مؤكدا أن إثيوبيا بحاجة إلى عملية سياسية أوسع تتعامل مع جذور الصراع، بما في ذلك الخلافات الدستورية، والأراضي المتنازع عليها، والنزوح، والإقصاء السياسي، والترتيبات الأمنية، والمساءلة، ومستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم.
ويشدد على ضرورة أن لا تتمحور التسوية حول بقاء حزب أو زعيم بعينه في السلطة، وإنما حول احترام الدستور وحماية المدنيين والتعددية السياسية وحقوق الإنسان.
تسوية سياسية تعالج جذور الصراع
وفي المحصلة، يضع التقرير إثيوبيا أمام خيارين؛ أولهما ترك الملفات العالقة في اتفاق بريتوريا حتى تتحول إلى مقدمة لحرب جديدة؛ فيما يتمثل الخيار الثاني في استغلال ما تبقى من مساحة للحوار للوصول إلى تسوية سياسية تعالج جذور الصراع.
ويحذر من أن الحرب السابقة في تيجراي أظهرت مخاطر تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية، بينما أثبتت أزمات أمهرة وأوروميا أن التوتر لا يقتصر على إقليم واحد، وأظهرت الحرب السودانية مدى سرعة تحول الصراعات الداخلية إلى أزمات إقليمية.
وبالتالي، فإن استقرار إثيوبيا، وفق التقرير، لا يعني مجرد احتواء العنف، وإنما بناء نظام يسمح بتسوية الخلافات السياسية عبر المؤسسات والحوار، ويضمن عودة النازحين وحماية المدنيين. وإلا فإن الملفات غير المحسومة قد تعيد البلاد إلى ساحة الحرب، بما يحمله ذلك من تداعيات على كامل القرن الأفريقي.

تعليقات