لم تكن باربرا كارتلاند مجرد كاتبة غزيرة الإنتاج اشتهرت بروايات الحب والقصص المتكررة عن الدوقات والبطلات الشابات، بل كانت شخصية صنعت لنفسها حضورًا استثنائيًا في الأدب والإعلام والتسويق.
وفي كتاب “The Great Dictator”، يعيد الكاتب ماثيو سويت قراءة حياة كارتلاند، محاولًا تجاوز صورتها الشهيرة وشعرها الوردي وملابسها اللافتة، للكشف عن امرأة طموحة عاشت تحولات القرن العشرين واستفادت منها لصناعة واحدة من أشهر العلامات الأدبية في بريطانيا.
23 رواية في عام واحد
اشتهرت كارتلاند بقدرتها الاستثنائية على الكتابة، لكنها لم تكن تكتب بالطريقة التقليدية، كانت تستلقي على أريكة في مكتبتها، وكلبها من نوع البكينيز بين ذراعيها، ثم تملي قصصها على سكرتيرات يسجلن كلماتها بطريقة الاختزال.
وكانت تقول إنها تستطيع إنجاز نحو 8 آلاف كلمة يوميًا، ما يسمح لها بإتمام رواية من 80 ألف كلمة خلال أسبوعين فقط، وفي ذروة إنتاجها، كانت تصدر 23 كتابًا في عام واحد، حتى بلغ إجمالي أعمالها 723 كتابًا، وحققت مبيعات ضخمة جعلتها من أكثر المؤلفين مبيعًا في التاريخ، بعد أجاثا كريستي وويليام شكسبير وفق الأرقام التي يستعرضها الكتاب.
طفولة شكلت نظرتها إلى الرجال
وُلدت باربرا كارتلاند عام 1901 لعائلة تنتمي إلى الطبقة العليا، لكنها عاشت مبكرًا سلسلة من الأزمات المالية والعائلية، كان والدها يعمل في صناعة المعادن، قبل أن تتعرض العائلة لضربة مالية قاسية، ثم توفي خلال الحرب العالمية الأولى، بينما لجأ والدها لاحقًا إلى الكحول، تاركًا والدتها أمام مسؤولية إعالة الأسرة.
ويرى ماثيو سويت أن هذه التجارب تركت أثرًا واضحًا على شخصية كارتلاند ونظرتها إلى العلاقات، خصوصًا أنها نشأت في زمن كانت فيه النساء أكثر اعتمادًا على الزواج لتأمين مستقبلهن، لكنها اختارت طريقًا مختلفًا.
من صحفية إلى روائية
في عام 1919، بدأت كارتلاند العمل صحفية، وكتبت عن أخبار المجتمع اللندني ومشاهيره لعدد من الصحف البريطانية، وكانت بريطانيا آنذاك لا تزال تعاني آثار الحرب العالمية الأولى، التي خلفت آلاف القتلى وغيرت شكل المجتمع والطبقات الاجتماعية.
ومن خلال عملها الصحفي، رأت كارتلاند عن قرب مجتمعا يعاني فقدان الرجال وتراجع الثروات القديمة وانتشار الطلاق والإدمان، وهي صورة تختلف كثيرًا عن عالم الدوقات والطيارين الوسيمين الذي سيظهر لاحقًا في رواياتها.
الزواج المبكر والطلاق
دخلت كارتلاند الحياة الزوجية مبكرًا، وتزوجت ألكسندر ماكوركوديل، وريث ثروة مرتبطة بصناعة الطباعة، لكن زواجها لم يستمر، وانتهى بالطلاق، قبل أن تتزوج لاحقًا ابن عمه.
وبحسب الكتاب، لم يكن الزواج بالنسبة إليها مجرد قصة رومانسية، بل جزءًا من محاولتها بناء حياة مستقرة ومستقلة في مجتمع لم يكن يمنح النساء بسهولة فرصًا اقتصادية واسعة.
الوجه الآخر بعيدا عن الروايات الرومانسية
يكشف الكتاب أيضًا عن جانب سياسي وفكري أقل شهرة من حياة كارتلاند، فقد كانت قريبة جدًا من شقيقها الأصغر رونالد، وشاركت معه اهتمامًا بالسياسة، كما تبنت مواقف محافظة ذات توجه دولي.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، كتبت رواية “Dangerous Experiment” التي تناولت معاداة السامية في ألمانيا النازية، في وقت كانت فيه الروايات البريطانية التي تتناول هذه القضية لا تزال نادرة، وهذا الجانب من شخصيتها يختلف كثيرًا عن الصورة التي التصقت بها في العقود اللاحقة.
تحول كارتلاند إلى اسم كبير
بحلول الثمانينيات، دخلت كارتلاند ما يصفه سويت بـ”مرحلتها الإمبراطورية”، حيث لم تعد تكتفي بكتابة الروايات، بل حولت اسمها إلى علامة تجارية.
ظهرت منتجات تحمل اسمها، من أغطية الأسرة والشموع والمناشف، كما شاركت في حملات ترويجية طريفة، من بينها عرض مع إحدى شركات الجزارة البريطانية يحصل فيه العملاء على إحدى رواياتها مقابل إنفاق مبلغ محدد، وأصبحت قدرتها على الترويج لنفسها جزءًا من شهرتها بقدر ما كانت رواياتها نفسها.
ابنتها والأميرة ديانا
اكتسب اسم كارتلاند شهرة إضافية عندما أصبحت ابنتها راين زوجة أبي الأميرة ديانا، واستغلت كارتلاند هذا الارتباط لتعزيز حضورها الإعلامي، بل حاولت الإيحاء بأن لها دورًا ما في قصة الحب التي انتهت بزواج الأمير تشارلز وديانا عام 1981، رغم أنها لم تكن من المدعوين إلى حفل الزفاف.
في النهاية، لا يقدم الكتاب كارتلاند باعتبارها مجرد ظاهرة غريبة أو كاتبة لروايات رومانسية متشابهة، بل باعتبارها امرأة صنعت نفسها بنفسها، وأدركت مبكرًا قيمة الشهرة والتسويق والاستمرار، وحولت قدرتها على الكتابة إلى إمبراطورية استمرت حتى وفاتها عام 2000 عن عمر 98 عامًا.


تعليقات