مرض الجدري واحد من أقدم وأكثر الأمراض المعدية فتكًا في تاريخ البشرية، ظل لقرون طويلة يحصد الأرواح ويترك الناجين منه بآثار وندبات دائمة، قبل أن ينجح الطب في تطوير أول لقاح فعال ضده، ثم يتمكن العالم بعد حملة صحية عالمية استمرت سنوات من إعلان القضاء عليه نهائيًا.
وبحسب منظمة الصحة العالمية WHO، فإن الجدري مرض معدٍ حاد يسببه فيروس الجدري (Variola virus)، وهو أحد فيروسات جنس Orthopoxvirus، ويُعتقد أن المرض كان موجودًا منذ ما لا يقل عن 3 آلاف عام.
ما أسباب الإصابة بالجدري؟
السبب المباشر للإصابة بالجدري هو العدوى بفيروس الجدري، وكان الفيروس ينتقل من شخص لآخر بصورة أساسية من خلال الرذاذ والقطيرات التنفسية أثناء المخالطة القريبة والمباشرة للمصاب.كما كان يمكن أن تنتقل العدوى، بدرجة أقل، من خلال الملابس أو أغطية الفراش الملوثة بإفرازات الشخص المصاب.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن فترة حضانة الفيروس كانت تتراوح عادة بين 7 و17 يومًا، وكان المصاب يبدأ في نقل العدوى بعد ظهور الحمى، ويظل معديًا حتى تساقط آخر القشور الموجودة على الجلد.
أعراض الجدري.. كيف يبدأ المرض؟
لم يكن الجدري يبدأ مباشرة بالطفح الجلدي، وإنما تظهر في البداية أعراض تشبه الأنفلونزا، من بينها:
– ارتفاع شديد في درجة الحرارة.
– الشعور بالإرهاق والضعف الشديد.
– الصداع.
– آلام شديدة في الظهر.
– وأحيانًا آلام البطن والقيء.
وبحسب WHO، تظهر بعد نحو يومين إلى 3 أيام من بداية الأعراض العامة العلامة الأكثر شهرة للمرض، وهي الطفح الجلدي المميز.
ويبدأ الطفح عادة على الوجه واليدين والذراعين، ثم ينتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم. وتتحول البقع إلى حبوب ثم حويصلات مملوءة بسائل، وبعد ذلك تمتلئ بالصديد وتتحول إلى قشور تجف وتسقط، وقد تترك ندبات غائرة ودائمة.
وكانت الإصابة قد تمتد أيضًا إلى الأغشية المخاطية للفم والأنف، ما يؤدي إلى ظهور تقرحات وإفراز كميات كبيرة من الفيروس.
هل كان الجدري مرضًا قاتلًا؟
نعم، وكان من أخطر الأمراض المعدية التي عرفها الإنسان.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الجدري كان قاتلًا في ما يصل إلى 30% من الحالات، بينما كان الناجون معرضين لآثار صحية دائمة، من بينها الندبات وفقدان البصر في بعض الحالات.
قبل اللقاح.. البشر واجهوا الجدري بطريقة خطيرة
قبل ظهور اللقاح الحديث، لجأ البشر إلى ممارسة عُرفت باسم التجدير Variolation، وكانت تقوم على تعريض الشخص السليم لمواد مأخوذة من آفات شخص مصاب بالجدري بهدف إحداث إصابة مقصودة أملاً في أن تكون أخف من العدوى الطبيعية.
ورغم أن هذه الطريقة ساعدت على تقليل خطر الوفاة مقارنة ببعض حالات الإصابة الطبيعية، فإنها لم تكن آمنة، فالشخص الذي يخضع لها كان يمكن أن يصاب بالجدري وينقل العدوى إلى آخرين.
إدوارد جينر.. اللحظة التي غيّرت تاريخ الطب
جاء التحول الكبير في عام 1796 على يد الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر.لاحظ جينر أن النساء اللاتي يعملن في حلب الأبقار وأصبن سابقًا بجدري البقر كن أقل عرضة للإصابة بالجدري البشري.
وبناءً على هذه الملاحظة، استخدم جينر مادة مأخوذة من آفات جدري البقر في تجربة على طفل يُدعى جيمس فيبس.
أصبحت هذه التجربة نقطة انطلاق لما يعرف اليوم بالتطعيم الحديث، وتعتبر منظمة الصحة العالمية لقاح جينر الذي ظهر عام 1796 أول لقاح ناجح تم تطويره.
من لقاح واحد إلى حملة عالمية
لكن اكتشاف اللقاح لم يكن نهاية القصة.
بدأت منظمة الصحة العالمية برنامجًا عالميًا للقضاء على الجدري عام 1959، ثم أطلقت برنامجًا مكثفًا للاستئصال عام 1967، اعتمد على التطعيم واسع النطاق، واكتشاف الحالات، وتتبع المخالطين، واحتواء بؤر العدوى.
وساعدت هذه الاستراتيجية في الوصول تدريجيًا إلى المناطق التي ظل المرض موجودًا فيها.
آخر حالة جدري في العالم
سجلت الصومال آخر حالة طبيعية معروفة للجدري عام 1977، لتصبح هذه الحالة آخر حلقة في سلسلة استمرت آلاف السنين.
وبعد مراجعة الأدلة، أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1979 انتهاء انتقال المرض، ثم أقرت جمعية الصحة العالمية رسميًا في 8 مايو 1980 أن الجدري تم استئصاله من العالم.
وبذلك أصبح الجدري أول مرض معدٍ يصيب البشر يتم استئصاله عالميًا، وهي واحدة من أكبر قصص النجاح في تاريخ الصحة العامة.
لماذا انتهى الجدري بينما بقيت أمراض معدية أخرى؟
تعتبر قصة الجدري استثنائية لعدة أسباب، من بينها أن الفيروس لم يكن لديه مستودع حيواني معروف يحافظ عليه بعيدًا عن البشر، كما أن استراتيجية التطعيم واكتشاف الحالات وتتبع المخالطين نجحت في قطع سلسلة انتقال العدوى.
وتوضح قصة الجدري أن القضاء على مرض لا يعتمد فقط على وجود لقاح، وإنما يحتاج أيضًا إلى نظام ترصد قوي، واكتشاف سريع للحالات، وتتبع المخالطين، وتعاون دولي واسع.


تعليقات