وفقًا للمعهد الوطني للصحة النفسية الأمريكي NIMH، أظهرت أبحاث على الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات أن المخ والجسم يمكن أن يطورا استجابات مختلفة لإشارات الخطر والأمان، خاصة عندما تصبح التجربة السابقة مرتبطة بتوقع نتائج سلبية. وكانت اللوزة الدماغية “Amygdala” من المناطق التي ارتبطت بعملية تعلم الخطر والاستجابة للمفاجآت السلبية.
الخيانة ليست الحالة الوحيدة التي تثير إنذار المخ
الخيانة العاطفية أو فقدان الثقة يمكن أن يكونا من التجارب شديدة التأثير نفسيًا، لكن المخ لا يميز الخيانة وحدها باعتبارها مصدر الخطر.
وتشير مراجعات علمية عن الصدمات إلى أن التعرض لتجربة مؤذية، يمكن أن يؤدي إلى حالة تسمى فرط اليقظة Hypervigilance، وفيها يصبح الشخص أكثر انتباهًا للإشارات التي قد تعني وجود خطر، وقد يستمر في مراقبة البيئة حتى بعد انتهاء الموقف الذي تسبب في الخوف. وترتبط هذه العملية بشبكات عصبية من بينها اللوزة الدماغية والحُصين والقشرة أمام الجبهية.
وبالتالي، فإن الشخص الذي تعرض للخيانة قد يصبح شديد الحساسية تجاه تغير نبرة الصوت، أو اختلاف العادات، أو تأخر الرد، أو بعض التصرفات غير المعتادة، لأن المخ أصبح أكثر اهتمامًا بالبحث عن علامات قد تشير إلى تكرار التجربة المؤلمة.
دراسة ربطت بين «الخيانة» وفرط اليقظة
وفي دراسة منشورة في مجلة Psychological Trauma، بحث فريق من الباحثين العلاقة بين تاريخ التعرض لصدمات الخيانة وبين فرط اليقظة والانفصال النفسي لدى مجموعة من الأشخاص.
ووجد الباحثون ارتباطًا بين التعرض لصدمات تتضمن مستوى مرتفعًا من الخيانة وبين بعض استجابات ما بعد الصدمة، ومنها فرط اليقظة، وهو ما يدعم فكرة أن الخيانة أو انتهاك الثقة يمكن أن يؤثرا في الطريقة التي يراقب بها الشخص محيطه بحثًا عن إشارات الخطر.
لكن هذه النتائج لا تعني أن كل شخص يشعر بالشك يمتلك حدسًا صحيحًا، ولا تعني أن المخ يستطيع إثبات وجود خيانة من خلال الشعور وحده.
لماذا يشعر الإنسان أحيانًا بأن «هناك شيئًا غير طبيعي»؟
قد يلتقط المخ تفاصيل صغيرة دون أن يكون الشخص واعيًا بأنه لاحظها، مثل اختلاف سلوك شخص ما عن المعتاد أو تغير نمط التواصل أو وجود تناقضات متكررة.
ويستطيع المخ التعلم من التجارب السابقة وربط بعض الإشارات بنتائج مؤلمة حدثت من قبل، وعندما تظهر إشارات مشابهة، يمكن أن يعمل نظام الإنذار بصورة أسرع، فينشأ شعور قوي بأن هناك شيئًا غير آمن.
وتوضح أبحاث علم الأعصاب المرتبطة بالصدمة أن المخ يمكن أن يستجيب لإشارات مرتبطة بالخطر بصورة واعية أو غير واعية، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الاستعداد الزائد للمراقبة والحذر.
لكن «الإحساس» ليس دليلًا على الخيانة
وهنا تأتي النقطة الأهم طبيًا ونفسيًا: الإحساس بأن شخصًا ما يخفي شيئًا لا يساوي إثبات أنه يخون.
ففرط اليقظة يمكن أن يحدث بعد أنواع مختلفة من التجارب المؤلمة، وليس الخيانة فقط. كما أن مراجعة منهجية للأبحاث المتعلقة بالانتباه إلى إشارات التهديد لدى الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة وجدت أن الأدلة على وجود قدرة عامة محسنة على اكتشاف التهديد ليست قوية بالدرجة التي قد يتصورها البعض، بينما ظهرت أدلة أكثر اتساقًا على استمرار الانتباه إلى التهديد.
وهذا يعني أن الشخص قد يصبح أكثر مراقبة وانتباهاً بعد الصدمة، لكن ذلك لا يمنحه جهازًا عصبيًا قادرًا على كشف الكذب أو الخيانة بدقة.
الخيانة أم الصدمة؟.. كيف نفرق؟
إذا كان الشخص قد تعرض سابقًا للخيانة أو الكذب أو علاقة مؤذية، فقد يصبح جهازه العصبي أكثر حذرًا في العلاقات الجديدة، وفي هذه الحالة، قد تكون بعض ردود الفعل الحالية ناتجة عن الخوف من تكرار التجربة السابقة وليس بالضرورة عن وجود خطر حقيقي في الوقت الحالي.
أما إذا كانت هناك تغيرات واقعية ومتكررة في سلوك الطرف الآخر، فيمكن التعامل معها كوقائع تحتاج إلى فهم ومناقشة، وليس كدليل طبي على أن المخ “اكتشف الخيانة”.
المخ يحاول حمايتك.. لكنه قد يبالغ أحيانًا
توضح الأبحاث المتعلقة بالصدمة أن فرط اليقظة يمكن فهمه باعتباره جزءًا من محاولة الجهاز العصبي حماية الإنسان من تكرار تجربة مؤلمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يستمر نظام الإنذار في العمل حتى عندما لا يكون هناك تهديد حقيقي.
وتشير المراجعات العصبية إلى أن فرط نشاط اللوزة الدماغية والاستجابات المرتبطة بالخوف واليقظة يمكن أن ترتبط بأعراض مثل القلق واضطرابات النوم واستمرار الشعور بالخطر لدى بعض الأشخاص بعد الصدمات.


تعليقات