تلاوة القرآن الكريم وتجويده رمز من رموز القوة الناعمة
مصر كانت دائمًا وأبدًا مكانًا للثقافة الإسلامية ومصدر إشعاع لكل علوم القرآن، وخاصة علم التلاوة، واشتهرت مصر عبر التاريخ بقراء القرآن الذين كان لهم شهرة واسعة في أنحاء العالم الإسلامي.
وتلاوة القرآن في مصر هي جزء من الثقافة الإسلامية المتعلقة بالموقع الجغرافي لمصر، فمصر الإسلامية مرت بثلاث مراحل رئيسية: الأولى منها كانت مصر تتلقى الثقافة الإسلامية من الوافدين إليها من خارج البلاد، ذلك أن مصر بعدها أصبحت مكانًا لهجرة الكثير من الصحابة والتابعين وأهل الفكر الإسلامي، وكان نتيجة لهجرة هؤلاء لمصر نجاح مصر في تأسيس مدرسة مصرية في الفقه والفكر والتلاوة، واستمرت هذه المرحلة طيلة عصور الولاة وعصر الدولة الطولونية والإخشيدية.
وتلا تلك المرحلة مرحلة التأثير، ذلك أن مصر بعد أن تلقت الثقافة الإسلامية أصبحت لديها من القدرات أن تعطي وتؤثر في الفكر الإسلامي، وخاصة من خلال مؤلفات علمائها الذين جابوا الأمصار ليشاركوا في تثقيف الناس بالثقافة الإسلامية، ونجد أن هناك علماء مصريين في القيروان والمغرب والعراق وفارس، وحضر إلى مصر الكثير من طلاب العلم، وفي هذه المرحلة انتشرت اللغة العربية في مصر انتشارًا كبيرًا وأصبحت لغة المسلمين والمسيحيين في ذلك.
أما المرحلة الثالثة من الدور الثقافي لمصر في العصور الإسلامية، فهو دور مصر في المحافظة على الموروث من الفكر والفقه الإسلامي ضد كل الحركات المضادة، وكذلك الحفاظ على الثقافة الإسلامية، حينما شهدت المنطقة قلاقل واضطرابات وأزمات، بينما استمرت الأوضاع في مصر واستقرت، مما أدى إلى دعم الأمان والاستقرار والرخاء في ربوعها.
فرحل إليها العلماء والفقهاء هربًا من الشرق الإسلامي المضطرب، وكذلك الغرب الإسلامي غير المستقر، ويمكن تسمية هذه المرحلة بالنهضة الثقافية المصرية في العصور الإسلامية، وظهر العديد من العلماء في مجال الفقه ومجال الفكر الإسلامي بصفة عامة، وأيضًا ظهرت في تلك الفترة قدرة أهل مصر على تلاوة القرآن بطريقة معينة أدت إلى انتشار هذه الطريقة إلى كافة أنحاء وربوع العالم الإسلامي.
وهكذا أصبحت مصر منذ فجر الإسلام لها مكانة مرموقة كمركز لعلوم القرآن الكريم وتلاوته، حيث أخرجت مصر على مدار تاريخها الإسلامي كوكبة من مشاهير وكبار القراء الذين أبهروا العالم الإسلامي بجمال أصواتهم وإتقانهم للتلاوة وخشوعهم في أداء آيات الله تعالى، مما أدى إلى شهرتهم، كما أسلفنا، في كل أنحاء العالم الإسلامي.
ولعل هذا الأمر لم يقتصر على الفترات الإسلامية القديمة، ولكن أيضًا استمر هذا الدور المصري إلى العصر الحديث، حيث كانت لمصر طرق معينة في التلاوة والتجويد، ومن أشهر الرواد الذين كانت لهم شهرة كبيرة في العالم الإسلامي الشيخ محمد رفعت، الذي تلقب بقيثارة السماء، وكذلك الشيخ مصطفى إسماعيل، الذي يعرف بصاحب الصوت المميز أو إمام المقرئين، الذي كان يجمع في تلاوته بين دقة الأداء وجمال الصوت، وبرزت قدرته على التحكم أيضًا في طبقات صوته أثناء القراءة والتعبير عن مختلف المعاني من خلال مشاعر معينة يظهرها أثناء القراءة.
أما شيخ الشيوخ، الشيخ محمود خليل الحصري، فكان يلقب بشيخ المقرئين، وكان يقال عنه إنه كان يقرأ القرآن كما أُنزل، أي كما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان له صوت مميز جهوري مميز، وكانت له طريقة متقنة تمامًا لأحكام التلاوة، وهناك روعة وعذوبة في الأداء، واشتهرت تلاواته بوضوحها وسهولة فهمها، مما جعله أيضًا مرجعًا هامًا في تعلم قراءة القرآن وتلاوته.
ولا ننسى أيضًا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الذي كان له حنجرة مميزة أُطلق عليها الحنجرة الذهبية، وتميز بصوت قوي وقدرة أيضًا كبيرة على التحكم وعذوبة في تأثيرها العميق على المستمع، وكان هذا الرجل إذا ما قرأ القرآن كان يملك قدرة كبيرة جدًا على أن يسمعه ويتفاعل معه الجمهور، أيًا كان جنسه، سواء كان الجمهور في باكستان أو الهند أو في سوريا أو العراق أو مصر أو مكة المكرمة أو المدينة المنورة، هكذا كان هذا الرجل حينما يقرأ القرآن ينفعل معه كل من يسمع هذه القراءة.
أما الشيخ محمد صديق المنشاوي، والذي كان يتباكى أثناء قراءة القرآن، فيدفع بصوته العذب من يسمع إلى الخشوع، واشتهرت أيضًا قراءته بالجوانب الروحية وقدرته على التفاعل مع معاني القرآن الكريم بصدق وإحساس عالٍ، وكان أيضًا يذهب في مواسم رمضان وأيام الحج إلى الأماكن المختلفة في العالم الإسلامي لقراءة القرآن بصوته المميز.
أما الشيخ محمود علي البنا، فكان صاحب صوت عذب رخيم وأداء سلس، واشتهرت أيضًا تلاواته بجمالها ووضوحها وسهولة فهمها، مما جعله محبوبًا لدى الناس في داخل مصر وأيضًا خارجها.
هؤلاء القراء الذين اشتهرت بهم مصر كانوا رمزًا من رموز القوة الناعمة، ولم يقف الأمر عند هذا الجيل من الرواد الأوائل من قراء القرآن، بل استمر أيضًا في جيل الوسط أو الجيل التالي على هؤلاء، مثل الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الذي تميز بصوته الجهوري وقراءته ذات الطابع الخاص وتحكمه الواضح في طبقات صوته وجمال وعذوبة هذا الصوت وتأثيره العميق في المستمعين، على الرغم من قدراته على التأثير في من يستمع إليه.
واستمرت المدرسة المصرية في القراءة أيضًا على يد الشيخ أيمن عبد الرحمن، الذي يتميز بصوت عذب وقدرة على تجويد القرآن الكريم، والشيخ كريم منصور، صاحب الصوت العذب والقدرة أيضًا على أن يقرأ القرآن بروحانية عالية جدًا، مما جعله قارئًا محبوبًا من المستمعين.
وأيضًا ظهر أسماء كثيرة جدًا من القراء مثل محمد أحمد رضوان، والشيخ محمدي بحيري، والشيخ كريم طارق، والشيخ عبد الرحمن النجار، والشيخ محمود صابر، وغيرهم من الذين برعوا وظهروا فيما عرف باسم مسابقات تلاوة القرآن وتجويده التي كانت تقام بين الحين والآخر في مصر، مما يجعل هناك استمرارًا للمدرسة المصرية في قراءة القرآن.
ولا شك أن دور مصر لم يقتصر على أن ترعى هؤلاء القراء على أرضها، ولكن كانت أيضًا تساهم إلى حد كبير في نشر الثقافة الإسلامية، ممثلة في قرائها الذين كانوا ينتشرون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي في بداية شهر رمضان، خاصة في شرق العالم الإسلامي والدول الإسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا الاتحادية وغيرهم من الدول التي كان ينتشر فيها قراء القرآن من مصر.
حتى إن رؤساء الدول الإسلامية كانوا يطلبون قراء القرآن المصريين بالاسم، ويفسحون لهم المجال وينعمون عليهم بالأوسمة العالية نتيجة لقراءتهم القرآن بالطريقة المصرية والتجويد على الطريقة المصرية، وهكذا لعبت مصر دورًا كبيرًا جدًا على مر التاريخ في قراءة القرآن الكريم ونشر هذه الطريقة التي حظيت بشعبية واسعة في كل أنحاء العالم الإسلامي.
لأن هؤلاء الناس كانوا يقلدون الطريقة المصرية في القراءة، وكانوا يقلدون مشاهير القراء المصريين، سواء كان منهم من يقلد الشيخ الحصري أو من يقلد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أو الشيخ محمد رفعت.
واستمرت المدرسة المصرية في تلاوة وتجويد القرآن، أو في جعل مصر دولة ذات تأثير واضح في العالم الإسلامي من خلال قرائها العظام ورواد التلاوة الذين ذكرناهم، مما جعل هؤلاء القراء مظهرًا من مظاهر القوة الناعمة لمصر وشكلًا من أشكال الهوية المصرية التي لا تخطئها العين، وجزءًا من الشخصية المصرية التي لم تتغير عبر العصور، والتي كانت دائمًا تؤثر فيما حولها وتضيف إليهم من علمها وثقافتها.


تعليقات