تلف الفص الجبهي قد يغيّر سلوك الإنسان ويكشف مؤشرات مبكرة لمرض ألزهايمر

تلف الفص الجبهي قد يغيّر سلوك الإنسان ويكشف مؤشرات مبكرة لمرض ألزهايمر

كشفت تجارب سريرية وأبحاث في علم الأعصاب أن تلف منطقة الفص الجبهي في الدماغ يمكن أن يؤدي إلى تغيرات لافتة في سلوك الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات والتحكم في اندفاعاته، كما تشير دراسات حديثة إلى أن تراجع هذه الوظائف التنفيذية قد يكون من العلامات المبكرة التي تسبق الإصابة بمرض ألزهايمر بسنوات، حسبما نشر موقع الديلي ميل

ويروي عالم الأعصاب الدكتور أدريان أوين، الذي يعمل في مجال علوم الأعصاب منذ أكثر من 35 عامًا، حالات لمرضى تغيرت شخصياتهم وسلوكياتهم بصورة واضحة بعد خضوعهم لجراحات لإزالة أورام في المخ.

القهوة وكتابة القوائم قد تساعدان الدماغ
القهوة وكتابة القوائم قد تساعدان الدماغ

 

ومن بين الحالات رجل أعمال من جنوب لندن كان يدير شركة ناجحة للمنسوجات، لكنه بعد إصابته بورم في المخ وخضوعه لجراحة لإزالته، بدأ يتخذ قرارات مالية متهورة، فأقدم على فصل موظفين بشكل مفاجئ، وأنفق أموالًا على صفقات لم يكن قادرًا على إتمامها.

وفي واقعة أخرى، أبرم عقدًا ضخمًا مع مورد للمواد رغم عدم امتلاك شركته عددًا كافيًا من الموظفين أو مساحة التخزين اللازمة لاستيعاب الأقمشة، لينتهي الأمر بتلف مواد تقدر قيمتها بثروة خارج مقر الشركة.

كما روى أوين واقعة مريضة في أواخر الستينيات من عمرها خضعت بدورها لجراحة لإزالة ورم في المخ، ثم ظهرت عليها سلوكيات غير لائقة نتيجة فقدان القدرة على التحكم في اندفاعاتها.

 

الفص الجبهي مسؤول عن التحكم في السلوك

وأوضح عالم الأعصاب أن هذه الحالات تعكس أهمية الفص الجبهي، الموجود خلف الجبهة مباشرة، والذي يمثل نحو 30% من حجم الدماغ ويلعب دورًا أساسيًا في التحكم في كثير من سلوكيات الإنسان.

ويُعد الفص الجبهي مركز ما يعرف بـ”الوظائف التنفيذية”، وهي مجموعة من القدرات العقلية التي تساعد الإنسان على التحكم في الاندفاعات، وتنظيم المهام للوصول إلى هدف معين، والاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا فيما يعرف بالذاكرة العاملة.

وأشار أوين إلى أن تلف هذه المنطقة قد يؤدي إلى ضعف القدرة على الحكم على الأمور، والتصرف بصورة غير معتادة أو غير لائقة، إلى جانب صعوبة إنجاز مهام كانت في السابق بسيطة وطبيعية.

علامات قد تسبق تشخيص ألزهايمر بـ14 عامًا

ولا تقتصر أهمية الوظائف التنفيذية على الحالات الناتجة عن إصابات الدماغ، إذ تشير الأدلة العلمية المتزايدة إلى وجود علاقة بينها وبين مرض ألزهايمر.

فعلى الرغم من أن ضعف الذاكرة طويلة المدى يُعد من أشهر الأعراض المرتبطة بألزهايمر، فإن الوظائف التنفيذية والذاكرة العاملة يمكن أن تتأثرا أيضًا في المراحل المبكرة من المرض.

ووجد بحث نُشر في مجلة Alzheimer’s & Dementia عام 2016 أن بعض الصعوبات المعرفية غير المرتبطة مباشرة بالذاكرة طويلة المدى، مثل صعوبة التخطيط للمستقبل أو التعامل مع عدة مهام في الوقت نفسه، يمكن أن تظهر قبل التشخيص الرسمي لمرض ألزهايمر بما يصل إلى 14 عامًا.

ويرى أوين أن اكتشاف هذه التغيرات مبكرًا قد يكون بالغ الأهمية، خاصة مع وجود أكثر من 100 دواء مضاد لألزهايمر قيد التجارب السريرية حول العالم، وسط مؤشرات على أن التدخل المبكر قد يكون أكثر فاعلية في إبطاء تطور المرض.

تدريب الذاكرة قد يبطئ التدهور المعرفي

وتشير أبحاث إلى أن تدريب المرضى في المراحل المبكرة من ألزهايمر على بعض الاستراتيجيات الذهنية البسيطة يمكن أن يحسن الذاكرة العاملة بصورة ملحوظة.

وفي دراسة نُشرت في British Journal of Psychiatry عام 2017، شارك 30 مريضًا مصابًا بألزهايمر في مراحله الخفيفة، وخضعوا لاختبارات تعتمد على تذكر سلاسل متزايدة الطول من الأرقام.

وتلقى بعض المشاركين تدريبًا على تقنية تعرف باسم “التجميع”، تقوم على تقسيم الأرقام إلى مجموعات صغيرة يسهل التعامل معها، إلى جانب البحث عن الأنماط بينها.

وبعد 18 جلسة تدريبية، مدة كل منها نصف ساعة، على مدار 8 أسابيع، تحسن أداء المجموعة التي تلقت التدريب بشكل واضح في تذكر السلاسل التي تحتوي على نمط أو هيكل معين، بينما لم يظهر التأثير نفسه لدى المجموعة الأخرى.

كما تراجع أداء المرضى غير المدربين بنحو نقطتين في اختبار الحالة العقلية المصغر، وهو اختبار شائع لتقييم القدرات المعرفية والمساعدة في تشخيص الخرف، بينما ظل أداء المجموعة التي تلقت التدريب مستقرًا.

 

“قصر الذاكرة” يساعد على استدعاء المعلومات

ومن التقنيات الأخرى التي يمكن أن تساعد في دعم الذاكرة تقنية “قصر الذاكرة”، التي تعتمد على استخدام القدرة الطبيعية للدماغ على الملاحة المكانية.

وتعتمد هذه الطريقة على ربط المعلومات التي يرغب الشخص في تذكرها بأماكن مألوفة، مثل غرف المنزل، ثم تخيل التحرك داخل هذه الأماكن لاستعادة المعلومات بالترتيب المطلوب.

وترتبط الملاحة المكانية بمنطقة الحُصين في الدماغ، وهي منطقة تؤدي أيضًا دورًا أساسيًا في تكوين الذكريات الحديثة وتخزينها.

كما يمكن تحويل المعلومات المراد تذكرها إلى قصة، وهي طريقة أخرى لتقوية الذاكرة، إذ يساعد ربط مجموعة من المهام أو المعلومات في قصة غريبة أو غير مألوفة على جعلها أكثر سهولة في الاستدعاء.

اختبار بسيط قد يساعد في التنبؤ بالخرف

ويرتبط التحكم في الاندفاعات أيضًا بالوظائف التنفيذية، وقد طور فريق أوين اختبارًا يعرف باسم “Double Trouble” لتقييم هذه القدرة.

ويعتمد الاختبار على عرض كلمة مثل “أحمر” بلون أحمر، ثم مطالبة الشخص بذكر لون الكتابة. ويصبح الاختبار أكثر صعوبة عندما تكون كلمة “أحمر” مكتوبة باللون الأزرق، ويُطلب من الشخص ذكر لون الخط بدلًا من قراءة الكلمة.

ويرجع ذلك إلى أن الدماغ يميل تلقائيًا إلى قراءة الكلمات، ولذلك يحتاج الشخص إلى بذل جهد لمنع الاستجابة التلقائية والتركيز على لون الخط.

وفي عام 2023، استخدم فريق أوين اختبارات معرفية رقمية لتطوير خوارزمية تهدف إلى اكتشاف الأشخاص الذين يعانون من ضعف معرفي شبيه بالخرف اعتمادًا على نتائج اختبارين، كان أحدهما اختبار “Double Trouble”.

وأظهرت النتائج أن الخوارزمية استطاعت تحديد المرضى المصابين بالخرف بدقة تجاوزت 80%، إلا أن الباحثين يشيرون إلى الحاجة إلى دراسات أكبر لتأكيد إمكانية استخدام ضعف التحكم في الاندفاعات للتنبؤ بظهور الخرف مستقبلًا.

النوم والرياضة والتوتر عوامل تؤثر في وظائف الدماغ

ولا ترتبط صحة الوظائف التنفيذية بالمرض فقط، إذ يمكن لعادات الحياة اليومية أن تؤثر فيها أيضًا، وتشير الأبحاث إلى أن ممارسة النشاط البدني المنتظم، وخاصة التمارين الهوائية مثل الجري وركوب الدراجات، يمكن أن تعزز وظائف الفص الجبهي وتحسن القدرة على التخطيط، حتى لدى كبار السن.

كما يمثل النوم عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الأداء العقلي، إذ يمكن أن يؤدي الحرمان من النوم إلى اضطراب نشاط منطقة في القشرة الجبهية مسؤولة بصورة مهمة عن التخطيط.

ويؤثر نقص النوم أيضًا في القدرة على تفسير تعبيرات الوجه، وقد يجعل الشخص أكثر عرضة لتفسير التعبيرات المحايدة أو الودية باعتبارها تهديدًا، وهو ما قد يؤدي إلى التوتر والصراعات واضطراب التعامل مع المواقف الاجتماعية، كما أن التوتر والقلق والمزاج السيئ يمكن أن يستهلكوا جزءًا من الموارد المعرفية التي يحتاجها الدماغ للتنقل بين المهام المختلفة، بينما يمكن أن يساعد التحكم في التوتر من خلال اليقظة الذهنية والرياضة المعتدلة والحصول على فترات راحة منتظمة في الحفاظ على الوظائف العقلية.

الجوع يؤثر في التحكم في المشاعر

ويشير أوين أيضًا إلى أن الجوع يمكن أن يؤثر في وظائف الفص الجبهي، وخاصة القدرة على تنظيم المشاعر، وهو ما يفسر ظاهرة “hanger”، أي الشعور بالغضب أو الانفعال نتيجة الجوع.

ويستهلك الدماغ نحو 20% من إجمالي الطاقة التي يستخدمها الجسم، ويعتمد بصورة أساسية على الجلوكوز لتوفير الطاقة اللازمة لأداء وظائفه.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن نوعية الطعام قد تؤثر في الوظائف التنفيذية، فقد وجدت دراسة أجريت عام 2016 أن تناول عصير العنب يوميًا لمدة 12 أسبوعًا ارتبط بتحسن الانتباه والذاكرة العاملة والقدرة على التخطيط، وأظهرت دراسة أحدث أجريت عام 2023 في كلية كينغز لندن أن بعض جوانب الوظائف التنفيذية كانت أفضل لدى الأشخاص الذين تناولوا التوت الأزرق مقارنة بمن تناولوا دواءً وهميًا، ويحتوي العنب والتوت الأزرق على مركبات الفلافونويد، التي تشير بعض الدراسات إلى قدرتها على تقليل الالتهاب وحماية خلايا الدماغ من التلف.

القهوة وكتابة القوائم قد تساعدان الدماغ
 

وتشير بعض الدراسات إلى أن تناول القهوة باعتدال، بما يصل إلى 3 أو 4 أكواب يوميًا، يمكن أن يحسن بعض جوانب الوظائف التنفيذية، مثل التخطيط والانتقال بين المهام، كما تؤثر القهوة في مستويات عدد من المواد الكيميائية في الدماغ، من بينها الدوبامين والأسيتيل كولين، والتي يمكن أن ترتبط بالمزاج والطاقة والوظائف التنفيذية.

أما أبسط الطرق التي يمكن استخدامها لدعم الذاكرة والتخطيط، بحسب أوين، فهي كتابة قائمة بالمهام المطلوبة، إذ لا تساعد القوائم على تذكر المعلومات فقط، وإنما تدعم أيضًا الوظيفة التنفيذية الخاصة بالتخطيط.

ويرى عالم الأعصاب أن المستقبل قد لا يعتمد فقط على اكتشاف علاج شافٍ لألزهايمر، بل ربما يشهد أيضًا طرقًا تساعد على اكتشاف المرض في وقت مبكر وإبطاء تدهور الذاكرة والحفاظ على استقرار القدرات العقلية لفترة أطول من خلال التدريب والاستراتيجيات الذهنية البسيطة.