صدر حديثًا للدكتورة ياسمين فراج، أستاذ النقد الموسيقي ووكيل المعهد العالي لفنون الطفل والقائمة بأعمال المعهد حاليًا، كتابها الجديد «موسيقى دراما الشاشات في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.. عصر المنصات»، ليأتي بوصفه الجزء الثاني من مشروع بحثي بدأته بكتابها السابق «موسيقى دراما الشاشات في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين»، والذي صدر قبل نحو ثلاث سنوات.
ويقدم «موسيقى دراما الشاشات في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.. عصر المنصات» بذلك قراءة بحثية تمتد من الموسيقى الدرامية المصرية والعربية إلى السينما العالمية، وتربط بين التحول التكنولوجي وتحولات صناعة المحتوى، وصولًا إلى استشراف الشكل المقبل للإعلام والفنون مع صعود بيئات الميتافيرس.
وتوضح ياسمين فراج أن الكتاب الجديد يمثل الكتاب الثاني عشر ضمن سلسلة كتبها البحثية التي تتناول الموسيقى وعلاقتها بالفنون الأخرى، وكذلك علاقتها بطبيعة المجتمع الذي ينتج هذه الموسيقى.
وتقول ياسمين فراج في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن فكرة الكتاب لا تتوقف عند رصد الموسيقى المستخدمة في الدراما، وإنما تحاول من خلاله متابعة التحولات التي لحقت بصناعة المحتوى نفسها، بداية من الشاشات التقليدية، وصولًا إلى زمن المنصات الرقمية، وما فرضته هذه التحولات من أنماط جديدة في إنتاج وتلقي الأعمال الفنية.
وبحسب ياسمين فراج، فإن دراسة موسيقى الدراما خلال هذه المرحلة تتيح فهمًا أوسع للتحولات التي طرأت على العلاقة بين الموسيقى والصورة والتكنولوجيا والجمهور، خصوصًا أن الانتقال من التليفزيون التقليدي إلى المنصات لم يكن مجرد تغيير في شاشة العرض، بل صاحبته تحولات في شكل صناعة المحتوى وأساليب إنتاجه وتلقيه.
وتؤكد ياسمين فراج أن الكتاب الجديد لا يأتي منفصلًا عن مشروعها البحثي السابق، وإنما يمثل امتدادًا لدراسة بدأت بالعقد الأول من القرن الحادي والعشرين ثم انتقلت إلى العقد الثاني، مع التركيز بصورة خاصة على التحول الذي أحدثته المنصات الرقمية في صناعة الدراما وطريقة تلقيها.
الأيديولوجيا وصناعة الأفلام
وتشير ياسمين فراج، إلى أن الكتاب يبدأ بمقدمة تمثل في حد ذاتها بحثًا مهمًا، تناولت خلاله عددًا من الأفكار المتعلقة بـالأيديولوجيات وعلاقتها بصناعة الأفلام.
وتوضح: «توقفت في المقدمة أمام عدد من الأفلام التي مُنعت من العرض عبر تاريخ السينما الأمريكية والأوروبية لأسباب مختلفة، وهو ما يقودنا إلى أن مفهوم الحرية في هذه الدول ليس مطلقًا، وإنما يرتبط في بعض الأحيان بالأيديولوجيات الحاكمة».
وتضيف أن طرح هذه القضية في بداية الكتاب كان ضروريًا لفهم العلاقة بين صناعة الفن والسياق السياسي والفكري الذي تنتج داخله الأعمال، خصوصًا أن تطور وسائل الإنتاج والعرض لم يلغِ تأثير هذه السياقات، وإنما أعاد تشكيلها في صور جديدة.
من الأقمار الصناعية إلى عصر المنصات
وتنتقل ياسمين فراج في مقدمة الكتاب إلى التطور التكنولوجي والعلمي وتأثيره على صناعة الفنون والمحتوى، فتتوقف عند مراحل متتالية كان لها تأثير مباشر في طبيعة ما يصل إلى الجمهور وكيفية وصوله إليه.
وتقول: «رصدت في المقدمة ثورة الأقمار الصناعية، ثم الإنترنت، ثم انتقلت إلى زمن المنصات الذي نعيشه الآن، لأن كل مرحلة من هذه المراحل غيرت شكل صناعة المحتوى وطريقة وصوله إلى المتلقي».
وتقدم ياسمين فراج تعريفًا لمفهوم «المنصة» في سياق دراستها، فتقول إنها «ذلك الموقف الخطابي، الذي يعتمد على المصطلحات والأفكار المحددة بما يكفي لتعني شيئًا ما، وغامض بدرجة كافية للعمل عبر أماكن متعددة لجماهير متعددة».
وتوضح أن المنصة يمكن أن تكون «إحدى الخدمات عبر الإنترنت كشبكة أو بث أو قناة»، قبل أن تتوقف عند ما تعتبره سلبيات لهذا النموذج من وجهة نظرها كباحثة ومؤلفة للكتاب.
استشراف إعلام الميتافيرس
ولا تكتفي ياسمين فراج في مقدمة كتابها برصد الوضع الراهن، وإنما تحاول استشراف المرحلة المقبلة من تطور الإعلام وصناعة المحتوى.
وتقول: «اختتمت مقدمة الكتاب برؤية استشرافية لإعلام الميتافيرس، لأنني أرى أن السنوات القليلة المقبلة ستقدم لنا شكلًا جديدًا للإعلام، يتفاعل فيه المتلقي مع صناع المحتوى».
وتضيف: «هذا هو ما ننتظره، وهو ما أطلقت عليه إعلام الميتافيرس، والذي سيقدم أنواعًا من الفنون الجديدة علينا».
وتعرّف فراج الميتافيرس في الكتاب بأنه «صناعة المحتوى الخبري أو الترويجي معتمدة على بيئة افتراضية ثلاثية الأبعاد، تضم جمهورًا محددًا ومختلطًا ما بين الافتراضي والحقيقي، وتتقبل رسائل تفاعلية بين الجمهور نفسه أو الجمهور وصناع المحتوى في وقت يحدده المتلقي وفي بيئة يصنعها المرسل والمتلقي سويًا».

كتاب موسيقى دراما الشاشات
الفصل الأول.. مؤلفو موسيقى دراما الشاشات
وتوضح ياسمين فراج أن الفصل الأول من الكتاب يحمل عنوان «مؤلفو موسيقى دراما الشاشات في العقد الثاني من القرن الـ21»، وتناولت فيه السير الذاتية والببليوجرافيا الخاصة بعدد من الملحنين والمؤلفين الموسيقيين الذين كان لهم حضور وبصمة في الموسيقى الدرامية المصرية والعربية بمختلف أشكالها خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
وتقول إن الاهتمام بهذه الأسماء لا ينفصل عن محاولة تتبع تطور وظيفة الموسيقى في الدراما، ودور المؤلف الموسيقي في بناء الحالة الدرامية وصياغة العلاقة بين الصوت والصورة.
الفصل الثاني.. من تترات التليفزيون إلى موسيقى المنصات
وتشير ياسمين فراج إلى أن الفصل الثاني يأتي بعنوان «موسيقى المسلسلات في التليفزيون والمنصات في العقد الثاني من القرن الـ21»، وفيه تناولت موسيقى تترات المسلسلات التي عُرضت على الشاشة التقليدية، واختارت التليفزيون المصري في مواسم رمضان نموذجًا للدراسة، نظرًا لغزارة الإنتاج الدرامي التليفزيوني خلال هذه المواسم.
وتوضح أن الدراسة في هذا الجزء تغطي الفترة من 2011 وحتى 2018، بينما انتقلت في الفترة من 2019 إلى 2021 إلى عرض وتحليل بعض موسيقى تترات المسلسلات التي عُرضت على المنصات العربية التي ظهرت خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
وتقول: «كنت حريصة على متابعة الانتقال من الشاشة التقليدية إلى المنصة، لأن التغيير لم يكن في وسيلة العرض فقط، وإنما انعكس على طبيعة الإنتاج الدرامي نفسه وعلى الموسيقى المصاحبة له».
الفصل الثالث.. الموسيقى الدرامية في السينما المصرية
أما الفصل الثالث، فتحمل دراسته عنوان «الموسيقى الدرامية في السينما المصرية في العقد الثاني من القرن الـ21»، وتقول ياسمين فراج إنها اختارت خلاله تحليل موسيقى ثلاثة أفلام مصرية روائية طويلة تنتمي إلى أنماط درامية مختلفة.
وتناولت الدراسة فيلم «فبراير الأسود» باعتباره نموذجًا للكوميديا السوداء، وفيلم «الفيل الأزرق 1» بوصفه نموذجًا لأفلام الرعب والإثارة، إلى جانب فيلم «الممر» الذي ينتمي إلى دراما الحركة والبطولة، أو الأكشن، والمستوحى من أحداث تاريخية حقيقية.
وتشرح أن الهدف كان تحليل كيفية تعامل كل مؤلف موسيقي مع العناصر الموسيقية داخل المشاهد الدرامية، ودراسة الكيفية التي أسهمت بها الموسيقى في بناء المشهد وتحديد حالته النفسية والدرامية.
الفصل الرابع.. موسيقى الأفلام العالمية
وينتقل الكتاب في الفصل الرابع إلى «الموسيقى في الأفلام العالمية في العقد الثاني من القرن الـ21»، حيث تناولت فراج تحليل موسيقى عدد من الأفلام الفائزة في الجوائز العالمية الشهيرة، وفي مقدمتها جوائز الأوسكار.
وتعتمد ياسمين فراج في هذا الفصل على دراسة العلاقة بين العناصر الموسيقية والصورة والكادر السينمائي، موضحة أن التحليل لا ينظر إلى الموسيقى باعتبارها عنصرًا منفصلًا، وإنما يدرس ارتباطها بالبناء البصري للفيلم.
وتقول: «اعتمدت في التحليل على علاقة العناصر الموسيقية، مثل اللحن والإيقاع والآلات الموسيقية وغيرها، بالصورة والكادر السينمائي».
وتوضح أن الكتاب يستخدم ثلاثة أنماط مختلفة في التحليل.
النمط الأول.. تتبع الألحان وفق ترتيب ظهورها
تقول إن النمط الأول يعتمد على «عرض ألحان مشاهد الفيلم بشكل تسلسلي مرقم بحسب ترتيب ظهور اللحن في الفيلم وتحليلها»، وطبقت هذا الأسلوب في عدد من الأفلام، من بينها «ذا أرتست» (الفنان)، و«جرافيتي» (جاذبية)، و«بلاك بانثر» (النمر الأسود) وغيرها.
النمط الثاني.. أنواع الموسيقى داخل الفيلم
أما النمط الثاني، فتوضح فراج أنه يقوم على «عرض تحليلي لأنواع الموسيقات التي ظهرت في ألحان مشاهد الفيلم مع ذكر رقم تسلسل ظهور اللحن في مشاهد الفيلم».
وتشير إلى أن أرقام الألحان ليست بالضرورة متتابعة، وفقًا لبنية الفيلم وطريقة ظهور الموسيقى داخله، وطبقت هذا الأسلوب على أفلام من بينها «لا لا لاند»، و«شيب أوف ووتر» (شكل الماء)، و«سول» (روح).
النمط الثالث.. الموسيقى في علاقتها بالمشهد البصري
أما النمط الثالث، فتقول فراج إنه يعتمد على «عرض تحليلي لأنواع الموسيقات والألحان التي ظهرت في الفيلم مع ذكر المشهد البصري وتفاصيله ونوع الموسيقى التي صاحبته»، وطبقت هذا الأسلوب على عدد من الأفلام، من بينها «لايف أوف باي» (حياة باي)، و«ذا هيتفول 8» (الثمانية الكريهون) وغيرها.
الدكتورة ياسمين فراج القائم بأعمال عميد المعهد العالي لفنون الطفل
ياسمين فراج.. سيرة علمية وفنية
وتعد الدكتورة ياسمين فراج من أبرز الأكاديميات في مجال النقد الموسيقي والفني، إذ تشغل درجة أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، وتتولي وكيل المعهد العالي للفنون الطفل والقائم بأعمال عميد المعهد، وسبق أن كانت أول امرأة مصرية تتولى رئاسة لجنة تحكيم مهرجان أيام الشارقة المسرحية، في خطوة عكست مكانتها الأكاديمية والنقدية على المستويين العربي والدولي.
وتميزت بمسيرة علمية وفنية حافلة، جمعت بين النقد الموسيقي والتأليف والبحث الأكاديمي، إلى جانب إصدار عدد من الكتب المتخصصة التي تعكس خبرتها ورؤيتها التحليلية في مجالات الفن. كما حصلت على الجائزة الشرفية في مسابقة جائزة محمود قطاط الدولية للموسيقى بالجمهورية التونسية عام 2017، تقديرًا لإسهاماتها في هذا المجال.
وشاركت في العديد من المؤتمرات العلمية محليًا وإقليميًا ودوليًا، كما تولت عضوية لجنة المشاهدة بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورتي اليوبيل الفضي والدورة السادسة والعشرين، وأسهمت في تأليف الموسيقى لعدد من الأعمال المسرحية، من بينها عرض «شقة عم نجيب» عام 2018.

تعليقات