ليس غريبا أن تجد سماسرة يروّجون لآراء سياسية معينة، لا عن اقتناع، وإنما طلبًا للكسب المادي أو تحقيقًا لمنافع شخصية. لا يعرفون معنى الوطنية إلا في حدود ما يدرّ عليهم من ربح، فيدعمون من يحقق لهم مصالحهم، ويجعلون من أنفسهم وعقولهم أدوات للترويج لما يريده أصحاب النفوذ.
هم أشبه بمرتزقة الحروب الذين يخوضون المعارك لا دفاعًا عن قضية، وإنما طمعًا في الغنيمة. ومن كثرة أتباعهم، قد يتوهمون أنهم أصحاب قضية ومبادئ يدافعون عنها، وأن اعتناقهم أفكار غيرهم وسعيهم إلى نشرها, إنما هو اقتناع وإيمان بالواجب الذي يرضي ضمائرهم المزيفة، بينما هم في الحقيقة الأمر, مجرد مروّجين لبضائع غيرهم من الساسة المحنكين في نهب مقدرات الشعوب, باسم الوطنية, إنهم يبيعون الأوطان بأبخس الأثمان؛ يبيعونها بمصلحة شخصية أو حفنة من المال، تنسيهم معنى الوطن الذي يسهمون بأيديهم في تمزيق أواصره. يتعاملون معه كسلعة، ولا يعنيهم منه إلا نصيب السمسرة أونسبة ضئيلة من ثمن البيع.
وهم موجودون في كل مجال، وعلى امتداد جوانب الحياة؛ يتسللون إلى المؤسسات والمجتمعات، ويجيدون الترويج لما يخدم مصالحهم بكل الأساليب الممكنة والمتاحة. منهم من يتعامل مع الشر كما يتعامل القوّاد مع عمله الدنيء؛ بإخلاص لا يعرف التردد. وقد لا يخلص الخير لعمله كما يخلص الشرير في هدم القيم وبث الفرقة، ودعمه بكل قوة ويقين. فأصواتهم عالية، وعيونهم يقظة، وجوارحهم متأهبة, في الدفاع عما اعتادوا عليه من فساد واستبداد.
إنهم يبحثون دائمًا عن العبودية التي تشبع رغباتهم الشرهة, وفطرهم المعوجة. يريدون عالمًا ترهبه القيود، وتسلسله أغلال الجبروت. اعتادوا الخنوع والخضوع لغيرهم، فلا يستهويهم أن يروا طالبًا للحرية أو مناديًا بها، ولا أن يعيش الناس في ظلها وتحت رايتها، بلا خوف من سلطان أو طغيان يرهبهم ويجلد ظهورهم.
هم أعداء أنفسهم قبل أن يكونوا أعداء غيرهم. ألفوا أن تطأ الأحذية رقابهم ورؤوسهم، وأقسموا بحياة أصحابها، ليفنوا أعمارهم أسرى لهم. ويوجد أعداد لا بأس بها من أمثال هؤلاء، يتشعبون فرق متعددة متأهبة للشهادة في سبيل انتصار الجبروت وانتشار الظلم؛ يصفقون له، ويمهدون له كل طريق، مذللين له العواقب الكؤد, ويدفعون بأيديهم وأنفسهم، مؤمنين به، باذلين في سبيله كل غالٍ ونفيس، حتى كرامتهم المهدرة. فهل ينتهي عهد هؤلاء في عهد من عهود الأمم والحضارات؟
أظن أنهم سيظلون قائمين ما بقيت أسباب وجودهم، وإن كانت كثرتهم أوضح في البلاد التي يكثر فيها الجهل، وتضيع فيها الحقوق، ويعيش الناس تحت وهم الخوف الذي يقتل فيهم الأمل في مستقبل خالٍ من الاستنزاف والاستغلال. إنهم منتشرون حيث يغيب الوعي، وتضعف الرقابة، وحين يموت الضمير الحي, لا يستطيع أحد أن ينتشل الإنسان من قاع الاستبداد إلى رحاب الحرية.


تعليقات