يعد كتاب اختراع الشعب اليهودي (The Invention of the Jewish People)، الصادر عام 2008 للمؤرخ الإسرائيلي “شلومو ساند” من أكثر الكتب إثارةً للجدل في حقل الدراسات اليهودية المعاصرة.
ولا ترجع أهمية الكتاب إلى تناوله تاريخ اليهود فحسب، وإنما إلى محاولته إعادة النظر في إحدى أكثر القضايا رسوخًا في الفكر القومي اليهودي وهي فكرة وجود «شعب يهودي» متصل عرقيًا منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث، وقد أحدث الكتاب نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية بين من اعتبره مراجعة جريئة للسردية التاريخية التقليدية ومن رأى أنه عمل يتسم بالانتقائية ويغلب عليه الطابع الأيديولوجي.
وينطلق” ساند” من سؤال محوري مفاده هل يشكل اليهود المعاصرون امتدادًا بيولوجيًا وقوميًا لبني إسرائيل القدماء أم أن مفهوم «الشعب اليهودي» بصورته الحديثة هو بناء سياسي وقومي نشأ في القرن التاسع عشر؟ ويذهب المؤلف إلى أن الهوية القومية اليهودية كما تُطرح اليوم لم تكن حقيقة تاريخية ثابتة، وإنما تشكلت في سياق صعود القوميات الأوروبية عندما أعادت الحركة الصهيونية صياغة التاريخ اليهودي بما يخدم مشروعها السياسي.
ويرى” ساند” أن الرواية التقليدية المتعلقة بتهجير اليهود من فلسطين بعد الثورات اليهودية ضد الرومان لا تستند إلى أدلة تاريخية قاطعة ويؤكد أن الرومان لم يقوموا بترحيل جميع سكان اليهودية، بل بقيت أعداد كبيرة منهم في فلسطين واستمرت في العيش فيها. ومن ثم يرفض المؤلف فكرة «المنفى الجماعي» التي أصبحت في رأيه إحدى الركائز الأساسية للسردية الصهيونية الحديثة.
كما يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لمسألة التحول الديني، إذ يؤكد أن اليهودية لم تكن عبر تاريخها دينًا مغلقًا، بل شهدت مراحل توسعت فيها عن طريق اعتناق شعوب وجماعات مختلفة لها مثل مملكة الخزر وبعض الجماعات في شمال أفريقيا واليمن. وانطلاقًا من ذلك يرى أن نسبة كبيرة من اليهود المعاصرين لا تنحدر بالضرورة من بني إسرائيل وإنما من جماعات دخلت اليهودية عبر التحول الديني.
وتتمثل إحدى أهم أفكار الكتاب في الربط بين التاريخ والقومية حيث يستند “ساند” إلى نظريات القومية الحديثة، ولا سيما أفكار بندكت “أندرسون وإريك هوبزباوم” ليؤكد أن الأمم ليست كيانات أزلية، بل هي نتاج عمليات تاريخية وثقافية معقدة، وأن التاريخ القومي كثيرًا ما يُعاد تشكيله لخدمة أهداف سياسية معاصرة.
ورغم ما يتسم به الكتاب من جرأة في طرح الأسئلة، فإنه لم يسلم من النقد الأكاديمي. فقد رأى عدد من الباحثين أن المؤلف اعتمد على قراءة انتقائية للمصادر إذ ركز على الأدلة التي تؤيد فرضيته، بينما لم يمنح الأدلة المخالفة القدر نفسه من الاهتمام. كما أشار نقاد آخرون إلى أن الكتاب يعتمد بدرجة كبيرة على الدراسات الثانوية ولا يقدم اكتشافات وثائقية جديدة وإنما يعيد تفسير المادة التاريخية المتاحة في ضوء رؤية فكرية محددة.
ومن أكثر القضايا التي أثارت الجدل معالجة “ساند” لموضوع الخزر، إذ اعتبر بعض المؤرخين أن المؤلف بالغ في تقدير أثر اعتناقهم لليهودية في تفسير أصول يهود أوروبا الشرقية، في حين أن الأدلة التاريخية واللغوية والوراثية لا تسمح بتعميم هذه الفرضية على معظم الجماعات اليهودية. كما رأى نقاد آخرون أن المؤلف يقلل من عناصر الاستمرارية الدينية والثقافية التي حافظت عليها الجماعات اليهودية عبر قرون طويلة، حتى في ظل تباعدها الجغرافي.
ولا يمكن قراءة أطروحة “شلومو ساند” بمعزل عن المناخ الفكري الذي شهدته إسرائيل منذ ثمانينيات القرن العشرين، مع ظهور ما عُرف بـ”المؤرخين الجدد” الذين سعوا إلى إعادة فحص الروايات التاريخية الرسمية باستخدام الوثائق الأرشيفية ومناهج النقد التاريخي الحديثة. ورغم أن “ساند” لا يُصنف دائمًا ضمن هذا التيار بالمعنى الدقيق، فإن مشروعه الفكري يلتقي معه في التشكيك في كثير من المسلمات القومية والتمييز بين التاريخ بوصفه علمًا يقوم على النقد، وبين الذاكرة القومية التي غالبًا ما تُصاغ لخدمة الهوية والمشروع السياسي.
بين الهوية الدينية والهوية القومية.
ومن أبرز الإشكاليات التي يثيرها الكتاب التمييز بين اليهودية باعتبارها دينًا، وبين “الشعب اليهودي” باعتباره كيانًا قوميًا واحدًا.”
فساند” لا ينكر وجود اليهودية كدين ذي تراث ممتد عبر القرون، لكنه يعترض على تحويل الانتماء الديني إلى وحدة قومية أو عرقية متجانسة تمتد بصورة متصلة منذ العصور القديمة. ويرى أن هذا الانتقال من الدين إلى القومية يمثل ظاهرة حديثة ارتبطت بصعود الدولة القومية في أوروبا وليس امتدادًا طبيعيًا للتاريخ القديم.
وقد ازداد الجدل حول أطروحات “ساند” مع تطور الدراسات الوراثية الخاصة بأصول الجماعات اليهودية. فقد أشارت بعض الأبحاث الجينية إلى وجود قدر من الروابط الوراثية بين عدد من الجماعات اليهودية وسكان المشرق القديم، في حين أبرزت دراسات أخرى حجم الاختلاط السكاني الذي تعرضت له هذه الجماعات عبر قرون طويلة من الهجرة والزواج والتحول الديني.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن النتائج الجينية لا تؤيد بصورة قاطعة أيًا من الرؤيتين المتعارضتين، وإنما تكشف تاريخًا أكثر تعقيدًا مما تسمح به السرديات القومية المبسطة.
أثر الكتاب خارج الأوساط الأكاديمية
ولم يقتصر تأثير الكتاب على الجامعات ومراكز البحث، بل امتد إلى وسائل الإعلام والدوائر الثقافية والسياسية في أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي. فقد استُخدمت أفكاره أحيانًا في النقاشات المتعلقة بتاريخ الصهيونية وشرعية الخطاب القومي الإسرائيلي وهو ما جعل الكتاب يتجاوز حدوده الأكاديمية ليصبح جزءًا من سجال فكري وسياسي أوسع. وقد أدى ذلك إلى استقبال متباين للكتاب؛ إذ احتفى به البعض بوصفه مراجعة نقدية شجاعة، بينما رأى آخرون أن توظيفه في الخطاب السياسي تجاوز ما تسمح به الأدلة التاريخية نفسها.
وتبرز تجربة هذا الكتاب أهمية التعامل مع المؤلفات المثيرة للجدل بمنهج نقدي متوازن؛ فالقيمة العلمية لأي عمل لا تُقاس بمدى اتفاق الباحثين معه أو اختلافهم حوله، وإنما بقدرته على إثارة أسئلة جديدة وتحفيز البحث وإعادة فحص المسلمات. ومن ثم، فإن قراءة كتاب “اختراع الشعب اليهودي” ينبغي أن تتم في إطار مقارن مع الرجوع إلى الدراسات المؤيدة والمعارضة على السواء، حتى تتكون لدى القارئ صورة أكثر شمولًا عن طبيعة الجدل الأكاديمي المحيط بتاريخ اليهود وأصولهم.
ويبقى السؤال الأهم: هل نجح “شلومو ساند” في إثبات أن “الشعب اليهودي” مجرد اختراع حديث؟ والواقع أن الإجابة ليست بالبساطة التي قد توحي بها طبيعة الجدل الدائر حول الكتاب. فقد نجح المؤلف بلا شك في زعزعة بعض التصورات التقليدية، وفي لفت الانتباه إلى الدور الذي تؤديه السرديات القومية في إعادة بناء الماضي، إلا أن كثيرًا من المتخصصين يرون أن أطروحته لم تستطع تقديم بديل تاريخي متماسك يحظى بالإجماع الأكاديمي.
ولذلك ظل الكتاب حاضرًا بوصفه عملًا نقديًا مهمًا، لا بوصفه مرجعًا حاسمًا أنهى النقاش حول أصول اليهود أو تاريخهم.
خاتمة تحليلية
ولعل أهم ما يكشفه الجدل حول هذا الكتاب هو أن دراسة تاريخ بني إسرائيل واليهود لم تعد تقتصر على قراءة النصوص القديمة، بل أصبحت مجالًا تتقاطع فيه مناهج التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الجينية ودراسات القومية. وهذا التداخل المنهجي يجعل الوصول إلى نتائج نهائية أمرًا بالغ الصعوبة، ويؤكد أن البحث العلمي الحقيقي يقوم على مراجعة الفرضيات باستمرار، لا على التسليم بالسرديات الموروثة أو رفضها بصورة مطلقة. ومن هنا تبقى قيمة كتاب شلومو ساند في أنه أعاد إحياء النقاش العلمي حول واحدة من أكثر قضايا التاريخ اليهودي حساسية، وذكّر الباحثين بأن التاريخ يظل دائمًا مجالًا مفتوحًا للنقد وإعادة القراءة كلما ظهرت مناهج جديدة أو أدلة أكثر دقة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الكتاب نجح في إعادة فتح النقاش حول العلاقة بين التاريخ والهوية، ودور السرديات القومية في تشكيل الوعي التاريخي.
فالقيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في كونه قدم الكلمة الأخيرة في تاريخ اليهود، وإنما في أنه دفع الباحثين إلى إعادة طرح أسئلة أساسية حول مفهوم الأمة، وحدود التاريخ والعلاقة بين الذاكرة الجماعية والمشروع السياسي.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن كتاب اختراع الشعب اليهودي يمثل محاولة فكرية جريئة لإعادة قراءة التاريخ اليهودي من منظور نقدي، إلا أن استنتاجاته تظل موضع نقاش واسع بين المتخصصين. فهو لا يهدم السردية التقليدية بقدر ما يفرض إعادة فحصها في ضوء مناهج التاريخ الحديث ودراسات القومية.
ومن ثم، تظل أهميته الحقيقية في إثارة الحوار العلمي، لا في تقديم حقيقة تاريخية نهائية وهو ما يفسر استمرار حضوره في النقاشات الأكاديمية حتى اليوم.
وبين الرواية التقليدية والقراءة النقدية، يظل الفيصل الحقيقي هو المنهج العلمي القائم على الدليل لا على المسلمات.
فالتاريخ لا يعرف قداسة السرديات، وإنما يعرف قوة البرهان، ولذلك ستبقى أطروحة شلومو ساند محطةً مهمة في تاريخ الدراسات اليهودية، سواء اتُّفق معها أم اختلف حولها، لأنها أعادت وضع مفهوم “الشعب اليهودي” نفسه على طاولة البحث العلمي من جديد.

الدكتورة آية الهنداوي

كتاب اختراع الشعب اليهودي

تعليقات