علي الفاتح يكتب: الإنزال الاقتصادي استمرار لأحلام اليقظة الترامبية

علي الفاتح يكتب: الإنزال الاقتصادي استمرار لأحلام اليقظة الترامبية


علي الفاتح يكتب: الإنزال الاقتصادي استمرار لأحلام اليقظة الترامبية

يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسيراً للمبالغات اللفظية والمصطلحات الضخمة والإجراءات العقابية الأقسى، التي تأتي غالباً بنتائج عكسية مخالفة لكل توقعاته، بدءاً من حرب الرسوم الجمركية، مروراً بالعدوان على إيران والتهديد بإبادتها، وصولاً إلى ما سمّاه بالإنزال الاقتصادي، تعبيراً عن العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة، التي يسعى لفرضها على طهران.

ربما تعكس تلك المبالغات غير المسبوقة في عالم السياسة والدبلوماسية ما يمكن وصفه بحالة أحلام اليقظة، التي تستغرق سيد البيت الأبيض أكثر من انشغاله بالإنصات لنصائح داعميه ومؤيديه في حركة أمريكا أولاً، التي تحولت لاحقاً إلى مواقف سياسية مناهضة بشدة لمعظم سياساته داخلياً وخارجياً.

يحلم الرئيس الأمريكي الآن بامتلاك مضيق هرمز، وجعله جزءاً من الأراضي الأمريكية، فعبر منصته الخاصة «تروث سوشيال» كرّر نشر خريطة مضيق هرمز مصحوبة بعبارة أصبحت أرضاً أمريكية.

ترامب يحلم بتحصيل إتاوات على كل الصادرات، التي تخرج إلى العالم عبر المضيق، قدّرها في وقت سابق بـ20%، لكنه لاحقاً قال إنه من الممكن استبدالها بضخ المزيد من الاستثمارات التريليونية الخليجية في الاقتصاد الأمريكي.

أحلام اليقظة وسيلة هروب مثالية للقائد الأعلى لما كان يوصف بأقوى جيوش العالم، والعاجز عن إعلان الانسحاب أو مواصلة القتال.

هذا ما يفسر تهديداته المتكرّرة بقصف سلطنة عمان إذا أبرمت اتفاقاً لا يرضيه بشأن ترتيبات العبور من مضيق هرمز مع إيران، لأنه في الواقع يحلم باحتلال المضيق.

انكسار حلم اليقظة بهزيمة إيران عسكرياً وتدميرها جعله يستخدم مصطلح الإنزال الاقتصادي للتعبير عما يصفه بالعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة، فالرجل عجز عن القيام بإنزال بري لجنود الجيش الأمريكي على الجزر الإيرانية وسلاسل الجبال التي تحوي اليورانيوم المخصب.

هرمز والغبار النووي كما يسميه ترامب باتا يمثلان عقدته النفسية، ومتلازمة أصابت الولايات المتحدة بكل مؤسساتها.

مجرم الحرب بنيامين نتنياهو هو من أوقع ترامب في دوامة أحلام اليقظة منذ نجاحه في إقناعه بسهولة الانتصار على إيران وتفكيكها وتدميرها خلال أسبوعين على الأكثر.

اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في نصف ساعة، والسيطرة على مقدرات البلاد عزّز حجج نتنياهو، مما جعل ترامب يغرق في محيط أحلام اليقظة، لا سيما أنه لا يعرف شيئاً عن طبيعة الشرق الأوسط بشكل عام، وطبيعة الأمة الفارسية على وجه خاص.

غير أن الأمر لا يتعلق فقط بخبث مجرم الحرب نتنياهو، فقبل ذلك كانت ما عرفت بحرب الرسوم الجمركية التي تحولت أحلامها الناعمة والرائعة لفرض السطوة الأمريكية على الاقتصاد العالمي إلى سلسلة كوابيس أفزعت الزعيم الأمريكي من سباته العميق.

القوة الصينية الاقتصادية والعسكرية الصاعدة جعلته يدرك تلك الحقيقة المرة عبر عدة صفعات، ويبدو أن الأمر سيتكرّر مع حلمه الجديد، الذي سماه الإنزال الاقتصادي.

أول رد فعل على إعلانه النفير العام والإنزال الاقتصادي ضد إيران جاءه من أسواق الطاقة، حيث قفز سعر برميل النفط من خام برنت إلى أكثر من 94 دولاراً.

رد الفعل الثاني كان في العاصمة الصينية بكين، حيث أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية ليان جيان أن بلاده لن تستجيب للألاعيب الأمريكية، موضحاً أن العقوبات الاقتصادية الأخيرة لا تتوافق مع مبادئ القانون الدولي ولا تتمتع بأي شرعية قانونية أو أخلاقية، لا سيما أنها تأتي دون غطاء أممي أو قرار من مجلس الأمن.

صحيفة «جلوبال تايمز» الصينية، التي توصف بأنها لسان حال الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، قالت في افتتاحيتها: «إنه إذا نجحت الولايات المتحدة في إجبار الدول على الالتزام بعقوباتها ضد إيران، فهذا يعني أنها ستسعى لتكرار الشيء نفسه مع أي دولة لا تروق لها سياساتها». وأكدت الصحيفة أن موقف الصين الرسمي يدعو لوقف جميع أشكال الاعتداءات العسكرية والاقتصادية، وحل الأزمة عبر مائدة المفاوضات.

تستحوذ الصين، طبقاً لوكالة رويترز، وعدة تقارير صحفية دولية، على 80% من الصادرات النفطية الإيرانية، وبموجب موقفها المعلن من العقوبات الأمريكية الجديدة سيتعين على واشنطن فتح مواجهة مباشرة مع بكين إذا قامت بفرض عقوبات على الشركات الصينية، ومصافي تكرير البترول التي تستقبل النفط الإيراني، فهل يستطيع الرئيس الأمريكي تحمل تبعات هذه المواجهة؟!

في المقابل، أعلنت إيران أنها ستعتبر كل دولة تشارك في العقوبات الأمريكية عدواً، وأنها لن تسمح بخروج نقطة بترول واحدة عبر مياه الخليج العربي، وستعمل على وقف الملاحة نهائياً في الخليج، على غرار إغلاقها مضيق هرمز.

وفي ما يُعد تحدياً جديداً للتصعيد الأمريكي أعلنت طهران عن عزمها توقيع اتفاقية تجارة تفضيلية مع سلطنة عمان، وحسب تقارير صحفية سمحت إيران بعبور ناقلات نفط عراقية، ضمن تفاهمات اقتصادية أشمل مع بغداد.

ربما يستفيد دونالد ترامب من تهديدات إيران، التي جاءت على لسان محسن رضائي، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، فقد تلجأ بعض الدول إلى عمل تفاهمات غير معلنة مع إيران تقضي بالتعاون معها، للالتفاف على العقوبات الأمريكية، وهي لعبة احترفتها طهران طوال 47 عاماً، وذلك مقابل السماح بعبور صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز، وهو ما سيعمل على ضخ المزيد من البترول في سوق الطاقة العالمي، مما يحافظ على استقرار الأسعار.

لو حدث شيء من هذا القبيل سيغض ترامب الطرف عن ملاحقة الدول والشركات، التي ستستمر في معاملاتها التجارية مع إيران، وهو قد يراهن على حدوثه، لكنه يبقى رهاناً مؤقتاً، لأن مطالب إيران تتجاوز هذه الأزمة العابرة، فهي تريد رفع الحصار عن موانئها، وإنهاء الحرب، ورفع العقوبات.

ما لم يفهمه ترامب حتى الآن، أو بالأحرى لا يريد استيعابه، استحالة إجبار إيران على التنازل والاستسلام مهما بلغ حجم الضغوط العسكرية والاقتصادية.

لطالما تحاشت طهران التصعيد العسكري، سواء مع الولايات المتحدة أو العدو الصهيوني، حتى لا تندلع هذه الحرب الكبرى، التي تعيشها الآن.

أما وأن الحرب قد اندلعت بالفعل، ببدء العدوان الصهيوأمريكي الشامل في 28 فبراير الماضي، لم يعد أمام طهران من خيار استراتيجي سوى الوصول إلى نقطة إنهاء الحرب، إما عبر التفاوض أو التصعيد العسكري الشامل.

إدارة الرئيس الأمريكي لهذه الحرب وتداعياتها تنتمي إلى زمن الكاوبوي (رعاة البقر)، التي تتسم بالعنف الشديد والدموية والرغبة في إبادة الآخر وتدميره عسكرياً، فإن فشل لجأ إلى الخيارات الاقتصادية.

هذا الأسلوب يؤكد استحالة التوصّل إلى إنهاء كامل للحرب عبر التفاوض خلال المرحلة الحالية، فترامب مُصر على المراوغة، لأنه ببساطة ما زال غارقاً في أحلام اليقظة، وإيران تدرك أننا صرنا إزاء انسداد سياسي، ومن الصعب عليها التعايش مع حصار الموانئ وعقوبات اقتصادية جديدة.

ترامب اختار ما سماه بالإنزال الاقتصادي ليهرب من الخيارات العسكرية الحقيقية، وإيران لن تمنحه هذه الفرصة.

أغلب الظن، ستبادر إيران إلى الهجوم على كل نقاط الوجود العسكري الأمريكي البحرية والبرية لتُنهي هذه الأزمة، ومن بعدها قد تفكر في العودة إلى مائدة التفاوض، ما لم يقدم ترامب تنازلات جوهرية عبر البوابات الخلفية.