مي عبد الرحمن تكتب: مهرجان القلعة للموسيقى والغناء.. عندما يهزم الإبداع الحي “شو حفلات الساحل”

مي عبد الرحمن تكتب: مهرجان القلعة للموسيقى والغناء.. عندما يهزم الإبداع الحي “شو حفلات الساحل”

في الوقت الذي كانت تنشغل فيه شواطئ الساحل الشمالي بفرض «الـQR Code» وتحديد قائمة الممنوعات على أبواب الحفلات تحت مسمى «الدريس كود»، وفي صيف وصل فيه سعر تذكرة مطرب يغني «بلاي باك» فوق المسرح إلى أرقام خيالية، جاءت الدورة الـ 34 لـ مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء بأسلوب آخر؛ تذكرة بـ100 جنيه تقدم مشهدًا مغايرًا، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول ماهية الفن وحق المجتمع في البهجة.

لم يكن الحضور الجماهيري هذا العام مجرد رقم في سجلات الإقبال المعتادة لمهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، بل «ملاذًا ثقافيًا حقيقيًا وبلا تكلفة».

فعلى ساحة مسرح المحكى، سقطت الحواجز الطبقية تمامًا، والتقت العائلة المصرية بكامل مكوناتها في فسحة وطقس صيفي آمن ومتاح. تذكرة رمزية فتحت الباب لاستماع حي ومباشر لأوركسترا كاملة، وفرق دولية، وقامات غنائية وموسيقية.

مهرجان القلعة ليس درجة ثانية أو مهرجانًا هامشيًا، على العكس تمامًا، فهو يستضيف كبار نجوم الوطن العربي والموسيقيين الحقيقيين. فمن منا لم تشجنه حنجرة علي الحجار، ويطرب بصوت ريهام عبد الحكيم وآهات نسمة محجوب، ويستمتع بتجربة شريف منير وفرقته «نوستالجيا»، وجمال عزف «سعد العود» وفرقته، وزلزال مديح الشيخ ياسين التهامي، ومزيج فتحي سلامة ومحمود التهامي، وروائع فرقة «أيامنا الحلوة»، وحالة الفنان طارق العربي طرقان، وسلطنة مدحت صالح، وغيرهم خلال دورة هذا العام؟

أثبتت حفلات المهرجان أن «الميجا ستار» الحقيقي هو من يمتلك الصوت والأداء المباشر أمام آلاف الجمهور، وليس من يستند إلى البهارج والتسجيلات الجاهزة.

وكشف مهرجان القلعة للموسيقى والغناء هذا العام عن المفارقة بين نموذج الترفيه الاستهلاكي الذي يتخذ من الحضور أداة للاستعراض الاجتماعي عبر منصات التواصل، بتكلفة غير مسبوقة، وبين جمهور ذهب بشغف للتذوق والسلطنة بعيدًا عن الشو السطحي، فكان لهم المهرجان «مأوى اجتماعيًا وثقافيًا» بشكل متكامل.

ويأتي السؤال: لماذا نشعر بنجاح حفلات مهرجان القلعة الذي تنظمه دار الأوبرا المصرية هذا العام؟

الإجابة تكمن في عدة أسباب، منها ما هو اجتماعي واقتصادي، ومنها ما هو فني. فبعد سنوات عانت فيها الأوبرا من حالة «التيه الإداري والبرامجي» الذي أفقدها بعضًا من بريقها وجاذبيتها الجماهيرية، جاء الدكتور رضا الوكيل ليحدث فارقًا ملموسًا في وقت ضيق منذ توليه رئاسة الدار، وهو ما ظهر جليًا مع أولى فعاليات الأوبرا في الصيف، وهو مهرجان الصيف للموسيقى والغناء.

فقدم المهرجانان وجبة فنية موسيقية بأسعار تذاكر مخفضة، مع استخدام منظومة التذاكر الإلكترونية، وهنا حققت الأوبرا نوعًا من التوازن بعد اتساع الفجوة الاقتصادية بين أسعار حفلات الساحل وحفلات مهرجان القلعة، وهو ما حقق بدوره شعار «العدالة الثقافية والفنية»، بالإضافة إلى إعادة هندسة النشاط الفني في ظل تحديات إدارية ومالية طاحنة.

وهكذا، لم تكن الدورة الـ34 لمهرجان القلعة مجرد فعاليات صيفية عابرة تنتهي بانقضاء حفلاتها، بل جاءت لتسجل موقفًا فكريًا وانحيازًا لجمهور يبحث عن الأمل والبهجة المستحقة وسط ضغوط الحياة، لتؤكد ساحة «المحكى» أن أصالة الفن المصري قادرة دائمًا على فرض منطقها حين تتوفر الإرادة والرؤية.

لقد أعاد المهرجان ترتيب الأولويات، وكشف أن الرهان الحقيقي سيبقى دومًا على بناء الوعي والارتقاء بالذائقة العامة، وأن المؤسسات الثقافية الوطنية، حين تستشعر دورها الاجتماعي وتكسر قيود التلقي، تستطيع أن تجعل من الموسيقى سلاحًا للتنوير وملاذًا يتسع للجميع.