وراء كل طفل استثنائي حكاية ملهمة، ووراء بعض الحكايات أمٌ شجاعة ترفض الاستسلام لليأس، وتختار أن تحوّل ألمها الشخصي إلى رسالة أمل، ومعاناتها إلى رحلة توعية تنير الطريق لأسر أخرى. هذا بالضبط ما جسدته قصة “أسما أحمد”، والدة الطفلة “فريدة ممدوح”، التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة تحدٍ لم تكن تتوقعه؛ لتسطر حكاية استثنائية من الصمود والدعم المجتمعي.
صدمة البدايات والتشخيص الصعب
بدأت القصة عندما لاحظت الأم تراجعاً مقلقاً في مهارات طفلتها. وتروي “أسما” تفاصيل هذه المرحلة قائلة: “وُلدت فريدة كأي طفلة طبيعية تماماً، تركض وتلعب وتتحدث بطلاقة وتذهب إلى الحضانة. لكن، بعد إتمامها عامها الثاني، بدأتُ ألاحظ حركات لا إرادية ومتكررة في يديها، ظننتها في البداية مجرد حركات تعلمتها من أقرانها، إلا أن الأمر تطور سريعاً؛ ففقدت قدرتها على المشي، والتحدث، وحتى استخدام يديها”.
بعد رحلة شاقة بين عيادات الأطباء وسلسلة من التشخيصات الخاطئة، نصحتها إحدى الطبيبات بإجراء تحليل وراثي دقيق. وبعد أشهر من الترقب، جاءت النتيجة لتؤكد إصابة فريدة بـ “متلازمة ريت” (Rett Syndrome).
ما هي “متلازمة ريت”؟
“متلازمة ريت” هي اضطراب عصبي وجيني نادر، يصيب الفتيات بشكل أساسي. تتطور الطفلة بشكل طبيعي خلال العام الأول أو الثاني من عمرها، ثم يبدأ تراجع تدريجي وقاسٍ في المهارات الحركية واللغوية المكتسبة. وتفقد الطفلة قدرتها على النطق واستخدام اليدين، وقد يصاحب ذلك حركات نمطية متكررة، وصعوبات في البلع والتنفس.
مواجهة المرض.. لا يأس مع العلاج التأهيلي
رغم عدم وجود علاج شافٍ ينهي هذا المرض حتى الآن، إلا أن “أسما” لم تستسلم. أوضحت أن إدارة حالة فريدة تعتمد على خطة تأهيلية متكاملة تشمل: العلاج الطبيعي، والوظيفي، والحسي، والمائي. وقد أثمرت هذه الجهود؛ حيث ساعد العلاج الطبيعي في تقوية عضلاتها وتقليل التشنجات مما مكّنها من المشي باستخدام جبيرة طبية، بينما ساهم العلاج الوظيفي والحسي في تحسين تفاعلها مع محيطها ومحاولة استعادة سيطرتها على يديها.
بصيص أمل في “العلاج الجيني”
تتمسك الأسرة بقشة الأمل التي تلوح في أفق الأبحاث العلمية العالمية. وتقول الأم: “رغم غياب العلاج النهائي، إلا أن هناك طفرة في أبحاث العلاج الجيني. تواصلت مع شركات طبية بالخارج تعمل على تطوير حقنة جينية، والمبشر أن الطفرة الجينية لفريدة متوافقة مع هذا العلاج الجديد، وقد تم إدراجها بالفعل في قوائم الانتظار لحين انتهاء المراحل الأخيرة من التجارب السريرية للحقنة”.
من المعاناة الفردية إلى الدعم المجتمعي
لم تكتفِ “أسما” بخوض المعركة وحدها، بل قررت أن تكون صوتاً لكل طفلة تعاني في صمت. أطلقت قبل عام حملة توعوية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تروي فيها يوميات فريدة وتطوراتها العلاجية.
وسرعان ما تحولت صفحتها الشخصية إلى ملاذ آمن ومجموعة دعم ضخمة تضم أمهات أطفال “متلازمة ريت” وذوي الاحتياجات الخاصة. أصبحن يتبادلن الخبرات، ويسندن بعضهن البعض نفسياً، بل ونجحن في تنظيم استشارات طبية عبر تقنية “الفيديو” مع أطباء متخصصين للرد على تساؤلات الأمهات الحائرات.
ثمار المبادرة.. استجابة رسمية ووحدة طبية متخصصة
تكللت جهود هذه الأم العظيمة بنجاح فاق التوقعات، حيث لفتت حملتها انتباه وزارة الصحة. وبدأت “أسما” في المشاركة الفعالة في المؤتمرات الرسمية المعنية بالأمراض النادرة. وكان الإنجاز الأكبر والملموس لهذه الحملة هو تأسيس وحدة متخصصة لمرضى “متلازمة ريت” في مستشفى عين شمس التخصصي، لتكون نقطة مضيئة تخدم هؤلاء الأطفال بشكل احترافي وموجه.
رسالة أم.. حلم العودة إلى مقاعد الدراسة
في ختام حديثها، اختزلت “أسما” كل أمانيها في دعوة قلبية بسيطة ومؤثرة: “كل ما أتمناه أن تُشفى فريدة، وأن أتمكن من توفير الحقنة الجينية لها لتعود طفلة طبيعية كما كانت.. أحلم باليوم الذي أوصلها فيه إلى مدرستها، وتعود إلينا أحلامنا البسيطة التي سرقها المرض”.
قصة “أسما وفريدة” ليست مجرد سرد لمعاناة مع مرض نادر، بل هي شهادة حية على قوة الأمومة التي لا تعرف المستحيل، وكيف يمكن لشرارة وعي واحدة أن تضيء العتمة في طريق مئات الأسر.


تعليقات