قضايا الوسط الثقافى.. معركة الشعر العمودى والحداثة تشتعل من جديد

قضايا الوسط الثقافى.. معركة الشعر العمودى والحداثة تشتعل من جديد

عادت واحدة من أقدم معارك الشعر العربى إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعى، بعدما تحولت مناقشات بدأت حول تجارب شعراء بعينهم إلى سجال واسع بشأن الشعر العمودى وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وحدود التجديد فى الشعر العربى، وصولًا إلى دور الجوائز والمؤسسات الثقافية فى تشكيل الذائقة وترجيح حضور شكل شعرى على آخر.

وشارك فى الجدل عدد من الشعراء والنقاد المصريين والعرب، فيما تجاوزت المناقشات السؤال القديم حول المفاضلة بين القصيدة الموزونة وقصيدة النثر، لتفتح أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بصناعة الذائقة الأدبية، وتأثير الجوائز، وحق الناقد والشاعر فى رفض تجارب كبرى، والحد الفاصل بين النقد الأدبى ومحاولة إقصاء شكل كامل من أشكال الكتابة الشعرية.

البداية من محمد سالم ملوك وعبد الله باشراحيل

تعود إحدى الشرارات المباشرة للسجال إلى قراءة كتبها الشاعر والناقد سيد يوسف حول قصيدة «كل ما يخشى» للشاعر المصرى محمد سالم ملوك، احتفى خلالها بتجربته الشعرية.
ودخل الشاعر السعودى الدكتور عبد الله محمد باشراحيل، رئيس مجلس أمناء جائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل وحرمه، إلى النقاش عبر منشور أشاد فيه بمحمد سالم ملوك وسيد يوسف، قبل أن يتسع حديثه إلى موقفه من الحداثة الشعرية، ومن عدد من أبرز الأسماء فى تاريخ الشعر العربى الحديث، وفى مقدمتهم محمود درويش وأدونيس وبدر شاكر السياب.
واعتبر باشراحيل أن جانبًا من الحداثة الشعرية العربية يتجه إلى الأفول، واستخدم فى سياق حديثه عبارات حادة أثارت اعتراض عدد من الشعراء والنقاد، فتحولت المناقشة سريعًا من تقييم تجربة شاعر معاصر إلى سجال أوسع حول الشعر العربى، والأصالة والحداثة، وحدود الاختلاف النقدى.

من نقد الشعراء إلى معركة حول الحداثة

ولم تتوقف ردود الفعل عند الدفاع عن محمود درويش أو أدونيس أو السياب، إذ اتجه جزء من النقاش إلى طبيعة الأحكام التى يمكن للناقد أو الشاعر إطلاقها على تجارب أصبحت جزءًا من تاريخ الشعر العربى الحديث.
ورأى عدد من المشاركين فى السجال أن من حق أى شاعر أو ناقد ألا يستسيغ تجربة أدبية، مهما بلغت شهرتها، بينما ركز آخرون على ضرورة الفصل بين نقد التجربة الشعرية وبين إصدار أحكام تلغى قيمتها أو أثرها التاريخى.
ومن هنا اتسعت الأزمة لتستعيد سؤالًا يتكرر فى الثقافة العربية منذ عقود: هل يمكن للذائقة الفردية أن تتحول إلى حكم نهائى على شكل شعرى أو جيل كامل من الشعراء؟

المعركة ليست «العمودى» فى مواجهة كل ما هو حديث

وتكشف متابعة الجدل أن اختزاله فى مواجهة بين «الشعر العمودى» و«الشعر الحديث» لا يقدم صورة دقيقة للمشهد.
فالشعر العربى المعاصر يضم قصيدة عمودية حديثة فى لغتها ورؤيتها، وقصيدة تفعيلة، وقصيدة نثر، إلى جانب تجارب تمزج بين أشكال وتقنيات مختلفة، كما أن أنصار القصيدة العمودية أنفسهم لا يتبنون موقفًا واحدًا من بقية الأشكال الشعرية.
كما أن الحداثة ليست قالبًا عروضيًا محددًا، وإنما مفهوم أوسع يتعلق باللغة والرؤية والصورة وبناء القصيدة وعلاقة الشاعر بالعالم، وهو ما يجعل وضع «العمودى» و«الحداثة» فى معسكرين متقابلين تبسيطًا لمعركة أكثر تركيبًا.

مهرجان دمشق يعيد الشعر إلى صدارة المشهد

وجاء الجدل فى وقت شهدت فيه الساحة العربية نشاطًا لافتًا حول الشعر، إذ أقيمت خلال أغسطس الجارى الدورة الأولى من مهرجان دمشق الدولى للشعر العربى، بمشاركة 55 شاعرًا وأديبًا ومحاضرًا من 16 دولة عربية.
وشهد المهرجان الإعلان عن عدد من المشروعات، من بينها «جائزة السيف الدمشقى» للشعر العربى، إلى جانب تأسيس «لجنة الشعر النبطى»، فى مؤشر على اتساع الاهتمام المؤسسى بالأشكال والتقاليد الشعرية المختلفة.
ولا يعنى ذلك وحده عودة القصيدة العمودية أو تراجع الأشكال الأخرى، بقدر ما يكشف أن سؤال الشعر وشكله وموقعه فى الثقافة العربية لا يزال حاضرًا، وأن المؤسسات والمهرجانات والجوائز أصبحت طرفًا أساسيًا فى تشكيل هذا الحضور.

الجوائز تدخل على خط المعركة

وتتجاوز الأزمة الحالية الخلاف حول أسماء بعينها، لتصل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بعلاقة الشعر بالجوائز والمؤسسات الثقافية.
وجاء اسم جائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل وحرمه ضمن النقاش بسبب رئاسة عبد الله باشراحيل لمجلس أمنائها، وعلاقة محمد سالم ملوك بأنشطة الجائزة وتكريمه ضمن فعالياتها، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى طرح تساؤلات حول تأثير الجوائز والمؤسسات فى صناعة المكانة الأدبية.
ويبقى من الضرورى التمييز بين المواقف الشخصية لرئيس مجلس أمناء الجائزة وبين السياسة الرسمية للجائزة وأحكام لجان تحكيمها، خاصة أن تاريخ الجائزة شهد تكريم أسماء تنتمى إلى اتجاهات وتجارب شعرية مختلفة.

من يملك تعريف الشعر؟

وهنا تصل معركة مواقع التواصل الاجتماعى إلى جوهرها الحقيقى: من يملك تعريف الشعر؟
فالقضية تجاوزت الدفاع عن محمود درويش أو أدونيس، وتجاوزت تقييم تجربة محمد سالم ملوك، كما تجاوزت السؤال العروضى المباشر حول الوزن والقافية.
ويرى اتجاه أن الوزن يمثل مكونًا أصيلًا من هوية الشعر العربى وذاكرته الموسيقية، وأن ابتعاد القصيدة عنه أفقدها جزءًا من علاقتها التاريخية بالجمهور، فيما يرى اتجاه آخر أن الشعرية أوسع من الوزن، وأن تاريخ الأدب يقوم بطبيعته على التحولات والتجريب وتغيير الأشكال.
ويظهر بين الموقفين سؤال آخر يتعلق بمن يصنع الذائقة فى اللحظة الراهنة: الشاعر، أم الناقد، أم القارئ، أم المؤسسات الثقافية والجوائز والمنصات الكبرى؟
ومع دخول المال والجوائز والانتشار الإعلامى ومواقع التواصل الاجتماعى إلى صناعة المشهد الأدبى، تصبح المعركة أكبر من خلاف بين العمودى والتفعيلة وقصيدة النثر، وتتحول إلى نقاش حول السلطة الثقافية نفسها، ومن يمتلك القدرة على منح التجارب حضورها، وترتيب الأسماء، وتوجيه ذائقة الجمهور.
وربما تكشف المعركة الحالية عن حقيقة أقدم من جميع أطرافها: أن السؤال حول «ما الشعر؟» لم يُحسم يومًا، وأن كل تحول كبير فى تاريخ القصيدة العربية أعاد طرحه من جديد بصيغة مختلفة.