للفن كما للأدب رسالة عظيمة تتجاوز حدود الترفيه والمتعة؛ فهو وسيلة مؤثرة في بناء الإنسان وتشكيل وجدانه وعقليته، وغرس القيم الأخلاقية وخصوصا في نفوس الناشئة. وإذا كانت عقول الأطفال والشباب وقلوبهم منفتحة على التلقي والأخذ، فإن من الواجب ننظر فيما يقدم لهم من فن يربي الذوق، ويهذب السلوك، ويعينهم على اكتساب الفضائل والمهارات النافعة.
ومن هنا يكون البحث في دور الفنان: هل يقف الفنان موقف المصلح أم موقف أم المهرج أم المفسد؟ إن الفنان الحقيقي هو من يحترم فنه، ويكون حريص على الارتقاء برسالته، فلا يجعله مطية لنشر الرذائل، أو إثارة الغرائز، أو هدم القيم الدينية والاجتماعية والأعراف السليمة. فالفن الذي يقوم على الابتذال والإسفاف, يهين الفنان ويشوه صورة الفن, ولا يحمل رسالة نبيلة، ولا يضيف إلى المجتمع قيمة حقيقية، بل قد يسهم في إضعاف الأخلاق وإفساد الذوق العام.
أما الفن الرفيع، فهو الذي يصون الفطرة الإنسانية، ويحترم الحياء، ويقدم أعمالاً تتوافق مع القيم الأخلاقية والذوق السليم. والفنان في هذا المقام يؤدي دور المربي، شأنه شأن الأب والمعلم والمصلح، إذ يغرس في النفوس الأخلاق الحسنة، ويقدم قدوة من خلال ما يعرضه من أعمال هادفة ومحترمة.
ولا تتعارض واقعية الفن مع الالتزام بالقيم؛ فالواقعية ليست في عرض كل ما هو رخيص ومبتذل أو خادش للحياء، وإنما في معالجة قضايا المجتمع بوعي وحكمة وما لا يتنافى مع معتقداته، دون أن تتحول الأعمال المعروضة والمرئية على الشاشة إلى وسيلة لاكتساب السلوكيات المنحرفة أو تشجيع التقليد الأعمى. فكثيراً ما يؤدي عرض مشاهد الإسفاف إلى نتائج عكسية، فيصبح ما أريد التحذير منه أمراً مألوفاً لدى الشباب, فيستمد منه حركاته وأفعاله دون وعي.
ولذلك فإن الفنان الواعي يكون أحرص الناس على صورة فنه ورسالته وقيمته، ويستشعر مسؤوليته الأخلاقية, قبل مسؤوليته الفنية. وعندما يلتزم الفنان برسالته، تقل الحاجة إلى الرقابة الخارجية؛ لأن هناك رقابة ذاتية قائمة على الضمير والوعي أصدق أثراً وأبقى. وفي سن الشباب يكون المنع وحده دافع بعض النفوس إلى الفضول والسعي لمعرفة ما حُجب عنه، أما الفن الهادف فيغرس القناعة ويهذب الذوق.
إن أكبر واجبات الفن الجميل, هو الذي يساهم في بناء الفرد ونهوض الأمة، إذا ارتكز على ما يقدمه من قيم إنسانية وأخلاقية سامية. وفي عصرنا الحاضر عصر الصورة والكلمة المسموعة والانترنت, أصبحت وسائل الإعلام والفنون أكثر تأثيراً من أي وقت مضى، فلا يكاد يخلو بيت من شاشة أو وسيلة إعلامية تنقل الأفكار والصور إلى الناس, حتى وهم بين أربع جدران مغلقة الأبواب والنوفذ. ومن ثم فإن مسؤولية الفنان عظيمة؛ لأنه شريك للمعلم والأب في ترسيخ الأخلاق، وبناء الوعي، وتعزيز الحضارة، وإعداد أجيال قادرة على النهوض بأمتها، من خلال فن راقٍ يجمع بين الإبداع والالتزام، وبين الجمال والقيم.


تعليقات