نقف في الطابور كل يوم تقريبًا، أمام المخبز أو البنك أو شباك التذاكر، ونعرف القاعدة من دون أن يخبرنا أحد بها وهى أن نقف خلف من سبقنا وننتظر دورنا، لكن متى أصبح الانتظار المنظم عادة اجتماعية؟ ولماذا أصبح الدور حقًا لا يجوز للآخرين تجاوزه؟
البداية من مخابز باريس
بحسب المصادر أن هذا المصطلح ظهر في المصادر الفرنسية منذ أواخر القرن الثامن عشر شواهد موثقة على الطابور بمعناه المعروف، كصف من الأشخاص ينتظرون دورهم للحصول على سلعة أو خدمة ويوثق المركز الوطني الفرنسي للموارد النصية والمعجمية استخدام كلمة queue بهذا المعنى عام 1794، بينما ظهر تعبير faire la queue عام 1798.
وتزامنت هذه الشواهد مع فترة الثورة الفرنسية، التي شهدت أزمات في توفير السلع الأساسية، ومن بينها الخبز، لتصبح المخابز واحدة من الأماكن التي احتشد أمامها الناس في انتظار دورهم.
وبالتالي لم يعد وجود الشخص داخل التجمع عشوائيًا، فمكانه في الصف أصبح يحدد أسبقيته في الحصول على ما ينتظره.
من الخبز إلى المسرح
لم تظل الطوابير مرتبطة بالاحتياجات الأساسية، ففي عام 1803، وصف الأديب الفرنسي ستندال في إحدى رسائله طوابير أمام المسارح في باريس، موضحًا أنها صفوف طويلة من الأشخاص الذين ينتظرون للحصول على تذاكرهم، ويقدم هذا الوصف شاهدًا مبكرًا على انتقال فكرة الانتظار المنظم إلى الحياة العامة والترفيه.
علاقة الطابور بالرياضيات
بعد أكثر من قرن، أصبح الانتظار موضوعًا للمعادلات، في عام 1909، نشر عالم الرياضيات والمهندس الدنماركي أجنر كروپ إيرلانج أول أبحاثه في هذا المجال، بعدما بدأ العمل على مشكلات ازدحام المكالمات في شركة هاتف كوبنهاجن. درس إيرلانج احتمالات وصول المكالمات ووقت الانتظار واحتياجات شبكات الهاتف، لتصبح أبحاثه من الأسس التي قامت عليها نظرية الطوابير.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح من الممكن دراسة الطوابير حسابيًا كم شخصًا سيصل؟ كم تستغرق الخدمة؟ وما حجم الموارد المطلوبة لتقليل الانتظار؟
لماذا يبدو الانتظار أطول أحيانًا؟
هنا تدخل المسألة في علم النفس، فلا يعتمد شعورنا بطول الانتظار على عدد الدقائق وحده، فبحسب أبحاث سيكولوجية الانتظار، الوقت الذي نقضيه في شيء يشغلنا يبدو أقصر من الوقت الذي نقضيه بلا نشاط، كما يبدو الانتظار أكثر إزعاجًا عندما لا نعرف كم سيستغرق أو لماذا علينا الانتظار.
وتؤثر العدالة أيضًا في تجربة الانتظار، فالشخص الذي يرى آخر وصل بعده يحصل على الخدمة قبله لا يواجه مشكلة في الوقت فقط، وإنما يشعر بأن القاعدة التي تحدد أولوية الطابور قد تم خرقها.
ولهذا ربما يكون أكثر ما يميز الطابور ليس أنه يجعلنا ننتظر، وإنما أنه يخبرنا لماذا جاء دورنا بعد شخص آخر.


تعليقات