في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتسع فيه أدوار الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار وصناعة المحتوى، يطرح الباحث والأكاديمي المغربي أ. د. محمد عبد الوهاب العلالي، في كتابه الجديد «صحافة الشاشات: العالم شاشة صغيرة»، سؤالاً مركزياً حول مستقبل الصحافة وحدود العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا في صناعة الأخبار.
ويفتح الكتاب الصادر حديثاً، نقاشاً حول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الإعلامي الراهن: هل تقود الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى نهاية عصر الصحفي التقليدي، أم أن الإنسان سيظل العنصر الحاسم في حماية القيم المهنية والأخلاقية للصحافة؟
ومن هذا السؤال ينطلق «العلالي» في رحلة تحليلية تجمع بين تشخيص التحولات التي تواجه الصحافة التقليدية، واستشراف مستقبل الممارسة الإعلامية في ظل الانتقال المتسارع من الوسائط التقليدية إلى عالم تتصدر فيه الشاشات والمنصات الرقمية المشهد.
4 محاور لفهم مستقبل الإعلام
يقارب الكتاب التحولات الجديدة من خلال أربعة محاور أساسية، يتتبع عبرها العلاقات المتشابكة بين الإعلام والسياسة والمجال العام والتكنولوجيا، محاولاً تفكيك التأثير المتبادل بينها في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ولا يتوقف «العلالي» عند التحول التقني أو تعدد الشاشات التي باتت وسيطاً رئيسياً للحصول على الأخبار والمعلومات، وإنما يذهب إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل المهنة ذاتها: كيف يمكن للصحافة أن تحافظ على استقلاليتها ومصداقيتها ودورها المجتمعي في بيئة تستطيع فيها الخوارزميات إنتاج المحتوى وتوزيعه وتخصيصه على نطاق واسع؟
وفي هذا السياق، يطرح الكتاب ما يمكن اعتباره «ميثاقاً فكرياً لأخلاقيات العمل الصحفي» في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يختزل في امتلاك الأدوات أو إتقان تقنيات الأتمتة، وإنما يتطلب رؤية متكاملة تضع الإنسان والقيم المهنية في قلب العملية الإعلامية.
التكنولوجيا لا تلغي الصحفي.. لكنها تعيد تعريف دوره
وتبرز أهمية طرح «صحافة الشاشات» في أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية جديدة، بل بوصفه تحولاً عميقاً يعيد تشكيل بيئة العمل الصحفي، وطريقة إنتاج الأخبار، وأشكال استهلاكها، والعلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور.
وفي هذا التحول، تصبح أسئلة المصداقية والتحقق والمسؤولية المهنية والأخلاقيات أكثر إلحاحاً، خصوصاً مع قدرة التقنيات الحديثة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعية، بما يفرض على الصحفي والمؤسسة الإعلامية أدواراً جديدة تتجاوز إنتاج المحتوى إلى التحقق منه وتفسيره ووضعه في سياقه.
ومن هنا، يبدو أن الرهان الأساسي الذي يطرحه الكتاب ليس على قدرة الصحافة على منافسة الآلة في السرعة، وإنما على قدرتها على الاحتفاظ بما يجعلها صحافة: العقل النقدي، والتحقق، والسياق، والمسؤولية، والبعد الإنساني.
محمد عبد الوهاب العلالي.. مسيرة أكاديمية وبحثية
الدكتور محمد عبد الوهاب العلالي أستاذ التعليم العالي وخبير دولي في علوم الإعلام والاتصال، وباحث سوسيولوجي متخصص في قضايا الإعلام والتواصل السياسي، وشغل عدداً من المناصب الأكاديمية، من بينها رئاسة شعبة السمعي البصري، ثم رئاسة شعبة البيئة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.
كما أسس ونسق ماستر «التواصل السياسي» بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط منذ عام 2014، ويمتلك خبرة دولية بوصفه خبيراً لدى عدد من المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، وله عدد من المؤلفات في مجال الإعلام والاتصال، من بينها كتاب «الثقافة والاتصال والمجتمع»، فيما تُوج مساره العلمي بالحصول على «جائزة التميز في البحث العلمي» عام 2025 في بيروت.
والعلالي هو الرئيس المؤسس للمركز الدولي للدراسات في الإعلام والتنمية، وتركز أبحاثه الراهنة على سوسيولوجيا الإعلام، والتحولات الرقمية، والتواصل السياسي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي.


تعليقات