رغم اختلاف أحجام الكتب، فإن معظمها يشترك في شكل واحد تقريبًا، صفحات مستطيلة، طولها أطول من عرضها، وقد يبدو هذا الشكل بديهيًا إلى درجة أننا نادرًا ما نتساءل عن أصله أو لماذا لم تصبح الكتب مربعة أو تتخذ شكلًا مختلفًا؟
الإجابة لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تشكلت عبر قرون، مع تطور صناعة الكتاب ومواد الكتابة، وطريقة تعامل الإنسان مع الصفحة، ثم قواعد تصميمها ونسبها
البداية كانت مع اللفافة
قبل أن يأخذ الكتاب شكله الحالي، كانت النصوص تُكتب على اللفائف، وكانت بعض اللفائف تُنظم في أعمدة، ثم بدأ ظهور الكودكس، وهو مجموعة من الأوراق أو الرقوق تُجمع وتُثبت من أحد جوانبها، ليصبح الشكل السابق للكتاب الحديث.
وبحسب عالم البرديات إريك تيرنر الذي درس 892 كودكس تعود إلى الفترة بين القرنين الأول والسادس الميلاديين، وخلص إلى أن أبعاد كثير منها ارتبطت بارتفاع اللفائف التي سبقتها، إلى جانب طريقة إعداد الأوراق وتجميعها.
وهكذا لم يبدأ شكل الصفحة المستطيلة من تصميم حديث، وإنما حمل معه أثر الأشكال التي سبقته.
المادة ساهمت في رسم المستطيل
مع استخدام الرق في صناعة المخطوطات، دخلت طبيعة المادة نفسها في تحديد شكل الصفحة، فالرق كان يُصنع من جلود الحيوانات، وبعد تجهيز الجلد وقصه يصبح في صورة قطعة مستطيلة يمكن طيها وتجميعها ثم تثبيتها لتكوين الكتاب.
كما أن أحجام الأوراق وطرق طيها وتجميعها أثرت في أبعاد الكودكس، ولهذا ارتبط شكل الصفحة تاريخيًا ليس بالتصميم فقط، وإنما أيضًا بالمادة التي صنعت منها وبطريقة تحويلها إلى كتاب.
دور الإنسان في التصميم
بما أن الكتاب أداة يمسكها الإنسان بيديه بصفته القارئ ويتعامل معها بعينيه، فأصبحت أيضاً طريقة القراءة عاملًا في تصميم الصفحة.
فالسطور الطويلة جدًا تجعل انتقال العين من نهاية السطر إلى بداية السطر التالي أكثر صعوبة، بينما تؤدي السطور القصيرة جدًا إلى زيادة حركة العين بين الأسطر.
ولهذا حدد خبراء تصميم الكتب أطوالًا مناسبة للأسطر، ويشير روبرت برينجهيرست في كتابه The Elements of Typographic Style إلى أن طول السطر المناسب للنص المستمر يقع تقريبًا بين 45 و75 حرفًا، مع اعتبار 66 حرفًا طولًا مثاليًا.
وهذا يعني أن شكل الصفحة لا يتعلق بحجم الورق فقط، وإنما بالمساحة التي يحتاجها النص ليكون قابلًا للقراءة.
دور الرياضيات في شكل الكتاب
مع تطور تصميم الكتب، ظهرت محاولات لوضع نسب محددة للصفحة، فالباحث الأرجنتيني راؤول روزاريفو درس كتب عصر النهضة واقترح ما سماه “القانون الذهبي لبناء الصفحة”، وقام على نسبة 2:3، التي تسمح كذلك بتقسيم الصفحة إلى وحدات منتظمة وتحديد أماكن الهوامش.
وظهرت أيضًا النسبة الذهبية، التي تبلغ نحو 1.618، في بعض تقاليد تصميم الكتب، لكن هذه النسب لم تكن قاعدة ثابتة لكل الكتب، وإنما واحدة من مجموعة مبادئ استخدمت في تصميم الصفحات بحسب موقع book riot.
لماذا بقي المستطيل؟
لأن المستطيل أثبت عمليًا أنه يجمع بين أكثر من احتياج في الوقت نفسه، مادة يمكن تشكيلها وتجميعها، وصفحة تناسب طريقة القراءة، ومساحة تسمح بتنظيم النص والهوامش.
ومع تطور الطباعة، استمرت هذه التقاليد، ثم ظهرت أحجام أكثر ملاءمة للحمل، وفي عام 1501، بدأ الناشر الإيطالي ألدو مانوتسيو إنتاج كتب صغيرة محمولة عُرفت بصيغة “أوكتافو”، وساهم في انتشار الكتاب ذي الحجم الذي يمكن حمله بسهولة، ومنذ ذلك الحين تغيرت أحجام الكتب ونسبها، لكن المستطيل ظل الشكل الغالب.
ومن اللفائف القديمة إلى الكتب المطبوعة، وصولًا إلى أجهزة القراءة الإلكترونية، تغيرت التكنولوجيا، لكن المستطيل ظل معنا.


تعليقات