خالد دومة يكتب: معركة الحياة

خالد دومة يكتب: معركة الحياة

دائمًا ما يحدثنا الناس عن الماضي التليد بكل ما يحمله من أخلاق وصدق، حتى يخيل إليهم أن الحياة كانت يومًا بلا إثم ولا جريمة، أو أن وقوعهما كان نادرًا. فيرون أن كل جميل صنعه الأسلاف، وأن كل قبيح ولد على أيدي المحدثين والأجيال الجديدة التي لم تخلّف حسنة، وكأنها بلغت في سوء الأخلاق المنزلة العليا. وهكذا يصبح كل ما يحيط بنا أسوأ مما كان عليه عند السابقين.

ولو عدنا إلى قراءة التاريخ لوجدنا أن نصيب الأسلاف من ذم زمانهم لم يكن قليلًا؛ فقد نَعَوا على عصرهم ما رأوه من سوء، وحمدوا ماضيهم وأسلافهم على ما كانوا عليه من خلق وأدب واجتهاد. فكل زمان يراه أهله زمن فساد، بينما يبدو لمن بعدهم زمنًا صالحًا. والحقيقة أن أي عصر لا يخلو من صالح وطالح، ومن محب للخير لذاته، ومن ساعٍ إلى الشر.

ولعل ما يميز زماننا ليس كثرة الفساد، وإنما سرعة انتشار أخباره وسهولة الوصول إليها، مع ضعف الشغف بنشر الخير. فالخير قد يرفع من مكانة إنسان، فلا تتحمس النفوس لإبرازه كما تتحمس لنقل الشر، إذ يشعر بعض الناس عند الحديث عنه بشيء من التفوق والتميز. وكلما انتشرت الأمية والجهل في مجتمع، ازداد هذا السلوك حضورًا.

وللتعليم فضل عظيم في تهذيب النفوس ومواجهة ما بها من عطب، فيعمل على إصلاحها والسعي إلى الخلاص منه قدر المستطاع. ولا أقصد تعليم الشهادات وحده، وإنما تثقيف العقول وتوسيع دائرة المعرفة. وفي زماننا أصبح هذا الأمر ميسورًا لكل من أراد، ووسائله متاحة للغني والفقير، ولا تحتاج إلى كبير عناء.

ويكفي أن نوجّه الناشئة إلى مزاياه، ونحذرهم من مضاره؛ فكما أنه وسيلة لسمو النفوس، قد يكون أيضًا سبيلًا لمن يحيد به عن مقاصده الشريفة إلى الشر والعصيان وسلوك طريق الفساد والانحلال.

وإذا كانت موازين الناس تختلف في الحكم على الخير والشر، فإن الظواهر لا تكشف دائمًا عن الحقائق. فقد يعمل المرء الخير، ولا ندري أهو مخلص فيه أم يبتغي به غاية أخرى تشين النفس، فيكون ظاهره مخالفًا لباطنه. وقد يُساق آخر إلى الشر بدوافع لم يكن له فيها اختيار، ولو تبدلت ظروفه أو عاش في مجتمع آخر لربما كان من دعاة الخير والسلام. فكما للفرد أثره في أفعاله، فللمجتمع كذلك نصيب لا يُنكر.

لقد أصبحت الحياة في السنوات الأخيرة أكثر صعوبة على الجميع، وتعاقبت الأزمات في فترات متقاربة، حتى دفعت بعض الناس إلى التغاضي عن مبادئهم، فامتدت أيديهم إلى الرشوة أو غيرها من صور الفساد، ثم ألقوا باللوم على المجتمع والظروف وضيق الحال. وفي المقابل، صمد آخرون أمام الضيق، ولم ينساقوا خلف حجج تخدّر الضمائر، وحافظوا على أمانتهم ونقاء ضمائرهم.

ولن تجد عصرًا من العصور إلا وفيه شرفاء يبخسهم الناس حقوقهم، وهم أهل للرفعة والكرامة، كما تجد فيه من السفلة من تمنحهم الحياة أكثر مما يستحقون، فيتعالون على غيرهم رغم وضاعتهم. وقد يكون الجهل حينًا، والقصد الفاسد حينًا آخر، هو ما يصنع تلك المفارقات.

فالزمن هو الزمن، والبشر هم البشر، وما أحوال الأزمنة إلا ثمرة ما تصنعه أيدي الناس، لا صفة ملازمة للزمن نفسه. فمن يعجز عن التحلي بالخلق القويم والعمل الجاد، يلصق بزمانه تهمة الفساد والانحلال، ويجعل منه ذريعة لإطلاق العنان لأهوائه. والعجز عن الإصلاح كثيرًا ما ينتهي إلى اتهام الزمن بكل الموبقات، لأن صاحبه لا يستطيع الالتزام بواجباته الأخلاقية، فيجعل انهيار الأخلاق سمة عامة يبرر بها تقصيره.

إن التقدم في المعرفة، وامتداد الزمن، جديران بأن يرفعا الإنسان في مدارج الرقي الحضاري والأخلاقي، لا أن يعيدا به إلى الوراء. فصلاح الأمم وفسادها لا يصنعهما الزمان، وإنما تصنعهما العقول والضمائر، وما يختاره الإنسان من طريق الخير أو الشر.