كيف يتأثر الإنسان فى حياته بمشاعره وآراء الآخرين.. علم النفس يوضح

كيف يتأثر الإنسان فى حياته بمشاعره وآراء الآخرين.. علم النفس يوضح

هل العقل يتأثر بعوامل خفية قبل أن نشعر بأننا اتخذنا القرار؟ تكشف أبحاث في علم النفس والأعصاب أن الإنسان لا يتخذ جميع قراراته بالطريقة الواعية والمنطقية التي يتخيلها، إذ يمكن أن تؤثر الخبرات السابقة والمشاعر وطريقة عرض المعلومات وآراء الآخرين في اختياراته.

ووفقًا لأبحاث عالم النفس دانيال كانيمان وزملائه في مجال الحكم واتخاذ القرار، يعتمد الإنسان على أنماط مختلفة من التفكير، بعضها سريع وتلقائي، وبعضها أبطأ وأكثر اعتمادًا على التحليل الواعي. ويمكن للتفكير السريع أن يكون مفيدًا في المواقف اليومية، لكنه قد يجعلنا أكثر عرضة لبعض الانحيازات النفسية.

هل عقلك يختار قبل أن تفكر؟

يستخدم الدماغ قدرًا كبيرًا من المعالجة التلقائية لتقييم المواقف والأشخاص والاختيارات، ما يسمح للإنسان باتخاذ قرارات سريعة دون تحليل كل التفاصيل.

وتشير أبحاث جمعية علم النفس الأمريكية APA إلى أن الانحيازات المعرفية يمكن أن تؤثر في الحكم واتخاذ القرار، وقد تجعل الإنسان يفسر المعلومات أو يقيّم الخيارات بطريقة لا تتطابق دائمًا مع التفكير المنطقي المثالي.
وهذا لا يعني أن الإنسان لا يمتلك إرادة ، وإنما يشير إلى أن عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا من مجرد التفكير الواعي في جميع الخيارات.

تأثير الإرساء.. أول معلومة قد تغير اختيارك

من أبرز الانحيازات التي تؤثر في القرارات تأثير الإرساء، ويحدث عندما تصبح معلومة أولية نقطة مرجعية تؤثر في التقديرات اللاحقة.
فعلى سبيل المثال، إذا رأى شخص منتجًا بسعر مرتفع أولًا، فقد يبدو له سعر منتج آخر أقل بكثير، حتى إذا لم يكن لديه معيار موضوعي لمعرفة قيمة المنتج الحقيقية.
وقد تناولت أبحاث منشورة في مجال الحكم واتخاذ القرار هذا التأثير، وأظهرت أن المعلومات الأولية يمكن أن تؤثر في التقديرات حتى عندما لا تكون مرتبطة بشكل مباشر بالقرار.

هل تفضيلاتك نابعة منك بالكامل؟

قد تتشكل بعض تفضيلات الإنسان تدريجيًا نتيجة التجارب السابقة والتكرار والبيئة المحيطة والتأثير الاجتماعي.
ووفقًا لأبحاث في علم النفس الاجتماعي، يمكن للتعرض المتكرر لشيء معين أن يؤثر في درجة تقبله أو تفضيله لدى الإنسان، كما يمكن للبيئة الاجتماعية أن تلعب دورًا في تشكيل الاختيارات.
لذلك قد يعتقد الشخص أن اختياره نابع بالكامل من تفضيل شخصي، بينما يكون هذا التفضيل قد تشكل عبر سنوات من الخبرات والتأثيرات المختلفة.

رأي الآخرين قد يغير قرارك

الإنسان يتأثر بالمجموعة التي يعيش أو يعمل داخلها، ولذلك يمكن لآراء الآخرين أن تؤثر في قراراته حتى عندما يمتلك معلوماته الخاصة.
وتعد تجارب عالم النفس سولومون آش من أشهر الدراسات التي تناولت ظاهرة الامتثال الاجتماعي، حيث أظهرت أن ضغط المجموعة يمكن أن يؤثر في إجابات الأفراد وأحكامهم حتى في مواقف تكون فيها الإجابة الصحيحة واضحة.
وفي العصر الرقمي، يمكن أن يظهر هذا التأثير بصورة مختلفة من خلال تقييمات المنتجات، وعدد المشاهدات والإعجابات، وانتشار الآراء على منصات التواصل الاجتماعي.

الانحياز التأكيدي.. عندما تبحث عما يوافقك

بعد اتخاذ قرار معين، قد يبدأ العقل في البحث عن المعلومات التي تؤيده، بينما يقل اهتمامه بالمعلومات التي تشير إلى إمكانية أن يكون القرار خاطئًا.
ويُعرف ذلك باسم الانحياز التأكيدي، وهو أحد المفاهيم المعروفة في علم النفس المعرفي.
ويمكن أن يظهر هذا الانحياز في قرارات كثيرة، بدءًا من اختيار منتج أو وظيفة، وصولًا إلى المواقف الشخصية والقناعات المتعلقة بالصحة والسياسة والعلاقات.

المشاعر قد تغير طريقة تقييمك للأمور

لا تعتمد القرارات على المعلومات وحدها، فالحالة العاطفية للشخص يمكن أن تؤثر أيضًا في طريقة تقييمه للمخاطر والفوائد.
وتوضح أبحاث في علم الأعصاب واتخاذ القرار أن المشاعر تلعب دورًا مهمًا في توجيه الانتباه وتحديد الأولويات، ولذلك قد يتخذ الإنسان قرارًا مختلفًا عندما يكون غاضبًا أو خائفًا أو شديد الحماس مقارنة بما قد يختاره عندما يكون هادئًا.
لكن وجود تأثير للمشاعر لا يعني أنها دائمًا تؤدي إلى قرارات سيئة، فهي جزء طبيعي من عملية اتخاذ القرار ويمكن أن تساعد الإنسان في تحديد ما يهمه.

كيف تقلل تأثير الانحيازات النفسية؟

لا يمكن التخلص من جميع الانحيازات المعرفية، لكن يمكن تقليل تأثيرها من خلال التوقف قبل القرارات المهمة، وفحص المعلومات التي تدعم القرار وتلك التي تعارضه، ومقارنة البدائل وفق معايير واضحة.
ومن المفيد أيضًا أن يسأل الشخص نفسه: لماذا اخترت هذا الخيار؟ وهل كنت سأختاره لو لم أعرف رأي الآخرين؟ وما الدليل الذي يمكن أن يثبت أنني مخطئ؟
وقد يساعد الحصول على رأي مستقل من شخص موثوق في كشف بعض النقاط التي قد لا يلاحظها الإنسان بسبب ارتباطه العاطفي بقراره.

 

الحقيقة أن الإنسان يملك القدرة على اتخاذ قرارات واعية، لكن الإرادة لا تعمل بمعزل عن الذاكرة والمشاعر والخبرات والبيئة والتأثيرات الاجتماعية.
وكلما أصبح الشخص أكثر وعيًا بهذه العوامل، زادت قدرته على مراجعة قراراته بدلًا من التعامل معها باعتبارها اختيارات محايدة تمامًا.