طالب زراعة يحوّل مخلفات السمسم والبرتقال والأرز إلى وجبة غذائية مبتكرة.. المركز الأول لمشروع مصري يستهدف تحويل الفاقد إلى استثمار

طالب زراعة يحوّل مخلفات السمسم والبرتقال والأرز إلى وجبة غذائية مبتكرة.. المركز الأول لمشروع مصري يستهدف تحويل الفاقد إلى استثمار

محمد نصرالدين وفريقه يطوّرون «سناك» عالي القيمة الغذائية من كسب السمسم وقشر البرتقال وكسر الأرز

في الوقت الذي تتجه فيه الصناعات الغذائية عالميًا إلى تقليل الفاقد وتعظيم الاستفادة من الموارد، نجح فريق بحثي شاب من كلية الزراعة بجامعة القاهرة في تقديم نموذج مصري يحول عددًا من النواتج الجانبية للصناعات الزراعية والغذائية إلى مكونات تدخل في إنتاج وجبة خفيفة مبتكرة.

المشروع، الذي يقوده الطالب محمد نصر الدين محمد الصغير، البالغ من العمر 22 عامًا، حصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية في فئة طلاب وخريجي كليات الزراعة والمهندسين الزراعيين وطلاب الدراسات العليا، ضمن مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة.

ويحمل الابتكار عنوان:

Production and Evaluation of High Nutritional and Technological Snacks

ويضم الفريق البحثي إلى جانب محمد نصرالدين كلًا من حسن حسام الدين حسن وأحمد محمد كمال، حيث قدم الفريق نموذجًا أوليًا لمنتج غذائي مبتكر يستهدف تطوير وجبة خفيفة ذات قيمة غذائية وتكنولوجية، اعتمادًا على مجموعة من الخامات المحلية والنواتج الجانبية للصناعات الزراعية والغذائية.

محمد نصر الدين رئيس الفريق البحثي
محمد نصر الدين رئيس الفريق البحثي
احمد محمد كمال <br alt=
احمد محمد كمال 
عضو ١
حسن حسام الدين عضو فريق 2
حسن حسام الدين عضو فريق 2

الفكرة تبدأ من سؤال: ماذا لو لم تكن المخلفات مخلفات؟

جوهر المشروع يقوم على إعادة التفكير في مفهوم المخلفات الزراعية والغذائية، فبدلًا من التعامل مع كسب السمسم وقشر البرتقال ولب قصب السكر وكسر الأرز باعتبارها نواتج منخفضة القيمة أو مواد تحتاج إلى التخلص منها، يبحث الفريق عن إمكانية معالجتها والاستفادة من خصائصها وإدخالها في تركيبة غذائية جديدة.

وبذلك تتشكل دورة اقتصادية جديدة تبدأ من الموارد الزراعية والغذائية، ثم النواتج الجانبية، فالمعالجة وإعادة الاستخدام، وصولًا إلى منتج غذائي جديد يحقق قيمة مضافة، ويفتح الباب أمام الاستثمار وخلق فرص العمل.

وهذه هي الفكرة الأساسية التي تجعل المشروع مرتبطًا بمفهوم الاقتصاد الدائري، وليس مجرد ابتكار منتج غذائي جديد.

من كسب السمسم إلى وجبة خفيفة عالية القيمة

يعتمد الفريق على مجموعة من المكونات المحلية، من بينها كسب السمسم، وقشر البرتقال، ولب قصب السكر، والخميرة الغذائية، وكسر الأرز، بعد تجهيزها ومعالجتها وفق الأساليب المناسبة لاستخدامها في المنتج.

ويستهدف المشروع الاستفادة من الخصائص الغذائية والتكنولوجية لهذه المكونات، مع تطوير تركيبة تصلح لإنتاج وجبة خفيفة يمكن تحسينها وتطويرها وفقًا لاحتياجات المستهلك والسوق.

ويمثل كسب السمسم أحد العناصر المهمة في التركيبة لما يمكن أن يضيفه من قيمة غذائية، بينما يمكن لقشر البرتقال أن يوفر مكونات ذات قيمة غذائية، في حين يسهم كسر الأرز في الخصائص التكنولوجية والقوام.

أما باقي المكونات فتدخل ضمن تركيبة تستهدف الوصول إلى منتج يجمع بين القبول الحسي والقيمة الغذائية والخصائص التصنيعية.

«شيبسي» بفكرة مختلفة

قد يبدو المنتج في صورته النهائية قريبًا من الوجبات الخفيفة المعروفة لدى المستهلك، لكن الاختلاف الحقيقي لا يتعلق بالشكل فقط، وإنما بمصدر المكونات وطريقة التفكير في إنتاجها.

فالمشروع يحاول تطوير وجبة خفيفة لا يكون الهدف الأساسي منها الطعم والقوام فقط، وإنما الجمع بين القيمة الغذائية والاستفادة من الموارد المحلية والاستدامة وتقليل الفاقد.

وهنا يتحول المنتج من مجرد وجبة خفيفة إلى نموذج تطبيقي لفكرة أكبر: كيف يمكن للصناعات الغذائية أن تستخرج قيمة جديدة من الموارد التي كانت تصنف سابقًا كنواتج جانبية؟

لماذا يمثل المشروع فرصة للسوق المصرية؟

السوق المصرية تحتاج إلى منتجات غذائية تجمع بين الجودة والسعر المناسب والقيمة الغذائية والابتكار.

وفي هذا السياق، يطرح المشروع إمكانية تطوير منتج يعتمد على مكونات محلية، بما يفتح المجال أمام تقليل الفاقد وتعظيم القيمة المضافة داخل سلسلة الغذاء.

ولا يعني نجاح النموذج الأولي أن المنتج أصبح جاهزًا لمنافسة المنتجات الموجودة في الأسواق، لكنه يطرح فرصة قابلة للتطوير إذا استكملت مراحل الاختبارات الفنية والغذائية والتصنيعية ودراسة السوق والتكلفة.

التصنيع الغذائي.. الحلقة المفقودة في تعظيم قيمة الزراعة

تتجاوز أهمية المشروع حدود المنتج نفسه، لأنه يرتبط بمفهوم أوسع هو تعظيم القيمة المضافة للقطاع الزراعي.

فالزراعة الحديثة لا ينبغي أن تنتهي عند إنتاج المحصول وبيعه، وإنما يمكن أن تمتد إلى التصنيع، واستخراج القيمة من النواتج الجانبية، والتعبئة، والتسويق، ثم التوسع والتصدير.

وكلما زادت مراحل التصنيع داخل الدولة، ارتفعت القيمة الاقتصادية الناتجة عن المورد الزراعي.

ومن هنا يمكن لمشروعات من هذا النوع أن تخلق فرصًا جديدة للمزارعين والمصنعين والمستثمرين، إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.

المخلفات تتحول إلى سلسلة استثمارية

إذا انتقل الابتكار من النموذج الأولي إلى الإنتاج التجاري، فإن الفرصة الاستثمارية لن تتوقف عند إنشاء خط لإنتاج الوجبة الخفيفة.

بل يمكن أن تنشأ حول المشروع سلسلة متكاملة تبدأ من جمع وفرز النواتج الزراعية والغذائية، ثم التجفيف والمعالجة، وتصنيع المكونات، والإنتاج، والتعبئة، والنقل، والتوزيع والتسويق.

وبذلك تتحول النواتج منخفضة القيمة إلى جزء من سلسلة إنتاج جديدة، يمكن أن توفر فرص عمل وتفتح مجالات أمام الاستثمار في الصناعات الغذائية المستدامة.

دعم الصناعة المحلية وتقليل الفاقد

من بين نقاط القوة التي يمكن البناء عليها في المشروع الاعتماد على خامات محلية متاحة، وهو ما يتيح دراسة إمكانية تطوير منتجات غذائية أكثر ارتباطًا بالموارد المصرية.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب استكمال الدراسات الفنية، وتحديد مصادر الخامات بصورة مستدامة، وضمان ثبات الجودة، وحساب التكلفة، والتأكد من قدرة المنتج على المنافسة السعرية في السوق.

د. علي عبد العزيز: الابتكار لا يجب أن يتوقف عند الفوز

وأكد الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة، أن الهدف من المسابقة لا يقتصر على اكتشاف الفائزين وتكريمهم، وإنما يتمثل في بناء حلقة وصل بين البحث العلمي والابتكار من جهة، والسوق والاستثمار من جهة أخرى.

الدكتور <strong alt=
الدكتور علي عبد العزيز، فيتو

وأوضح أن مصر تمتلك طلابًا وباحثين ومبتكرين لديهم القدرة على تقديم حلول لمشكلات حقيقية في الزراعة والتصنيع الغذائي وإدارة الموارد، إلا أن القيمة الحقيقية للابتكار تظهر عندما ينتقل من الفكرة والنموذج الأولي إلى التطبيق والإنتاج.

وأشار إلى أن الزراعة أصبحت منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التصنيع الغذائي، وإدارة المياه والطاقة، وإعادة تدوير المخلفات، والتكنولوجيا، والميكنة، وسلاسل القيمة وريادة الأعمال.

وأضاف أن مشروع الفريق الفائز يقدم نموذجًا واضحًا لهذا الاتجاه، من خلال الربط بين النواتج الجانبية للصناعات الزراعية والغذائية والتصنيع الغذائي والقيمة المضافة والاقتصاد الدائري.

دعوة إلى مجلس الوزراء لدعم المبتكرين

ودعا الدكتور علي عبد العزيز مجلس الوزراء إلى تبني المبادرة ودعم مسار الابتكار الزراعي على المستوى الوطني، مؤكدًا أن رعاية الدولة لهذا المسار يمكن أن تسهم في اكتشاف وإعداد جيل جديد من المبتكرين القادرين على تقديم حلول عملية لتحديات القطاع الزراعي.

وأوضح أن دعم المبادرة يمكن أن يساعد في إنشاء منصة تربط المبتكرين بالجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والمستثمرين والجهات التنفيذية، بحيث لا تتوقف رحلة المشروع عند الفوز في المسابقة.

وأكد أن المسار المطلوب يجب أن يبدأ من اكتشاف الموهبة ودعم الفكرة وتطوير النموذج الأولي والاحتضان والتمويل والاختبارات والتصنيع والتسويق والتوسع والتصدير.

من جامعة القاهرة إلى أرفف الأسواق

يمتلك الفريق حاليًا نموذجًا أوليًا للمنتج، وتتم عملية التطبيق عبر تجهيز الخامات وتجفيفها وإعداد العجينة والتشكيل والطهي ثم التبريد والتعبئة.

ومع الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري، يمكن تطوير العملية من خلال خطوط إنتاج متخصصة، وإنتاج نكهات وأشكال وأحجام مختلفة وفقًا لدراسات السوق واحتياجات المستهلك.

لكن هذه الخطوة تحتاج إلى سلسلة من الاختبارات والدراسات، تشمل سلامة المنتج وثبات الجودة والقيمة الغذائية، إلى جانب دراسة التكلفة وقبول المستهلك والمتطلبات التنظيمية والتصنيعية.

ما الذي يميز الابتكار؟

يمكن تلخيص عناصر القوة في المشروع في عدة نقاط رئيسية، أبرزها:

أولًا: إعادة استخدام نواتج جانبية للصناعات الزراعية والغذائية.

ثانيًا: تحويل مواد منخفضة القيمة إلى مكونات تدخل في منتج استهلاكي.

ثالثًا: الجمع بين القيمة الغذائية والخصائص التكنولوجية للمنتج.

رابعًا: الاعتماد على مفهوم الاقتصاد الدائري وتقليل الفاقد.

خامسًا: إمكانية تطوير الفكرة إلى مشروع صناعي إذا توافرت لها البيئة المناسبة للاحتضان والتمويل والتصنيع.

الابتكار في خدمة الأمن الغذائي

لا يرتبط الأمن الغذائي فقط بزيادة إنتاج المحاصيل، وإنما يشمل كذلك تقليل الفاقد، وتعظيم الاستفادة من الموارد، ورفع القيمة المضافة، وتحسين كفاءة إنتاج وتصنيع الغذاء.

ومن هذه الزاوية، يقدم المشروع نموذجًا يربط بين الأمن الغذائي والتصنيع الغذائي وتقليل الفاقد والاستثمار  والاستدامة.

فكلما نجحت منظومة الغذاء في الاستفادة من مواردها بصورة أفضل، ارتفعت كفاءتها الاقتصادية والبيئية.

المركز الأول ليس نهاية الطريق

يمثل فوز محمد نصرالدين وفريقه بالمركز الأول إنجازًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه بداية لمرحلة أكثر صعوبة.

فالانتقال من نموذج أولي إلى منتج تجاري يحتاج إلى تمويل، واختبارات سلامة وجودة، وتطوير للتركيبة، ودراسة للسوق، وحساب دقيق للتكلفة، وتصميم العبوة، واستكمال المتطلبات التنظيمية.

وهنا تظهر أهمية تكامل أدوار الجامعات ومراكز البحوث والجهات الحكومية والقطاع الخاص والمستثمرين وحاضنات الأعمال.

فالجائزة تكتشف الفكرة، لكن السوق هو الاختبار الحقيقي للابتكار.

السؤال الأهم: كيف نصل بالابتكار إلى السوق؟

تقدم تجربة الفريق رسالة تتجاوز حدود المسابقة نفسها: مصر لديها شباب قادرون على ابتكار حلول في الزراعة والغذاء وإدارة الموارد، لكن التحدي الحقيقي هو بناء المسار الذي ينقل هذه الحلول من الورق والمعمل إلى المصنع والسوق.

فإذا نجحت الدولة والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص في بناء هذا الجسر، يمكن أن تتحول مسابقات الابتكار من مجرد ساحات لاكتشاف المواهب إلى مصانع أفكار ومشروعات وشركات ناشئة.

وتثبت تجربة محمد نصرالدين وفريقه أن ما يبدو في البداية مجرد ناتج جانبي أو مخلف يمكن أن يصبح نقطة انطلاق لفكرة غذائية جديدة، وأن الطالب داخل كلية الزراعة يمكن أن يكون باحثًا ومبتكرًا وصاحب مشروع في الوقت نفسه.

ويبقى التحدي الحقيقي هو استكمال الطريق من «المركز الأول» إلى «المنتج الأول»، ومن النموذج الأولي إلى مصنع قادر على الإنتاج والمنافسة.

فإذا تحقق ذلك، لن يكون الفائز الحقيقي هو الفريق وحده، وإنما الزراعة المصرية والتصنيع المحلي والاقتصاد الدائري وفرص العمل والأمن الغذائي.