استغرقت عودة أوديسيوس من طروادة إلى موطنه إيثاكا سنوات طويلة في ملحمة “الأوديسة”، بعدما واجه العواصف والوحوش الأسطورية وجزرًا غامضة أبعدته مرارًا عن طريقه، لكن إذا وضعنا رحلة أوديسيوس على خريطة العالم الحديث، واستخدمنا وسائل النقل الحالية، فستبدو الرحلة أقصر بكثير.
من أين بدأت رحلة أوديسيوس؟
تبدأ الرحلة من طروادة، التي تقع آثارها اليوم في شمال غرب تركيا، بينما يُعتقد على نطاق واسع أن موطن أوديسيوس هو جزيرة إيثاكا اليونانية الحالية، وبين الموقعين تبلغ المسافة البحرية المباشرة نحو 565 ميلًا بحريًا.
ولو أبحرت سفينة حديثة بسرعة تتراوح بين 18 و24 عقدة، فيمكن قطع هذه المسافة في أقل من 24 ساعة، بشرط أن تكون الرحلة مباشرة ومن دون توقف، أما بالسيارة، فتستغرق الرحلة نحو 14 ساعة وفق خرائط جوجل، لكن هذا المسار لا يعكس بالطبع الطريق البحري الذي سلكه بطل “الأوديسة”، وفقًا لـ Mental floss.
كيفية تحديد طريق أوديسيوس
المشكلة أن الأوديسة ليست خريطة جغرافية دقيقة، فبعض الأماكن التي يذكرها هوميروس يمكن ربطها بمواقع حقيقية، بينما تظل أماكن أخرى غامضة أو أسطورية.
ولهذا حاول باحثون منذ العصور القديمة تحديد الأماكن التي مر بها أوديسيوس، وفي العصر الحديث، جُمعت إحدى أبرز المحاولات في دراسة لعالم الكلاسيكيات ريموند ف. شودر، نُشرت عام 1987، واقترحت مواقع محتملة لعدد من محطات الرحلة.
طروادة وإسماروس
بعد مغادرة طروادة، وصل أوديسيوس إلى إسماروس، في أرض السيكونيين، ووفق التصور الذي نقله شودر عن مصادر قديمة، يمكن وضع المنطقة في تراقيا، بالقرب من الحدود الحالية بين تركيا واليونان وبلغاريا.
رأس ماليا.. نقطة التحول
اتجه أوديسيوس بعد ذلك إلى رأس ماليا في الطرف الجنوبي الشرقي من شبه جزيرة البيلوبونيز، كان يريد مواصلة طريقه إلى إيثاكا، لكن الرياح القوية دفعت سفينته بعيدًا، لتبدأ سلسلة طويلة من الانحرافات التي جعلت رحلة العودة تستمر لسنوات.
أرض آكلي اللوتس
وصل أوديسيوس ورجاله إلى أرض يأكل سكانها نباتًا يجعل من يتناوله يصاب بالنسيان والخمول، ويرجح بعض الباحثين أن هذه المنطقة كانت على الساحل الغربي لشمال أفريقيا، ربما بالقرب من تونس الحالية، بينما اقترح آخرون أن النبات المذكور قد يكون مرتبطًا بخشخاش الأفيون.
العملاق بوليفيموس
تأتي بعدها واحدة من أشهر مغامرات أوديسيوس، وهى مواجهته للعملاق بوليفيموس، وترتبط قصة العمالقة تقليديًا بصقلية، خصوصًا بمنطقة جبل إتنا، لكن بعض الباحثين يرجحون أن هوميروس كان يتخيل موقعًا على الساحل الغربي للجزيرة.
جزيرة الرياح
من المحطات الأكثر غرابة جزيرة أيولوس، التي وصفها هوميروس بأنها جزيرة عائمة تحيط بها أسوار برونزية، ويُعتقد أنها لا تمتلك نظيرًا جغرافيًا حقيقيًا، رغم تشابه بعض تفاصيلها مع جزيرة سترومبولي، ومنها حصل أوديسيوس على كيس يحتوي الرياح لمساعدته في الوصول إلى إيثاكا، لكن الخطة فشلت، وانحرفت السفينة مرة أخرى عن طريقها.
من كورسيكا إلى العالم السفلي
تتواصل الرحلة إلى أرض اللاستريجونيين، التي حددها شودر في كورسيكا، ثم إلى جزيرة الساحرة سيرسي، التي يرى الباحث أن هوميروس ربما لم يقصد بها مكانًا جغرافيًا محددًا، بعد ذلك يهبط أوديسيوس إلى العالم السفلي للقاء النبي تيريسياس.
ورغم أن هذه المحطة تبدو أسطورية تمامًا، ربطها شودر ببحيرة أفيرنوس بالقرب من نابولي، وهي المنطقة التي وضع فيها الشاعر الروماني فيرجيل بوابة العالم السفلي في ملحمته “الإنيادة”.
صفارات الإنذار وسكيلا وخاريبديس
يصل أوديسيوس بعد ذلك إلى جزيرة صفارات الإنذار، التي ربطتها بعض المصادر القديمة بجزر غالي في خليج ساليرنو.
ثم يواجه سكيلا وخاريبديس، وهما وحشان بحريان أسطوريان، ويرى بعض الباحثين أن قصتهما قد تكون انعكاسًا لمخاطر الملاحة في مضيق ميسينا بين صقلية وإيطاليا.
المحطات الأخيرة
بعد ذلك يصل أوديسيوس إلى جزيرة ثريناسيا، المرتبطة بمعبود الشمس هيليوس، ثم يقضي عدة سنوات في جزيرة أوجيجيا مع الحورية كاليبسو.
وتظل أوجيجيا من المواقع التي لا يمكن تحديدها جغرافيًا بشكل مؤكد، أما المحطة الأخيرة قبل إيثاكا فهي سخيريا، موطن الفياكيين، والتي يرجح بعض الباحثين أنها قد تكون جزيرة كورفو، ثم يصل أوديسيوس أخيرًا إلى إيثاكا.
رحلة استغرقت سنوات.. ويمكن قطعها في يوم
إذا حاولنا تحويل رحلة أوديسيوس إلى خريطة حديثة، سنجد أن بعض محطاتها يمكن ربطها بأماكن حقيقية، بينما تظل أخرى في منطقة بين التاريخ والأسطورة.
أما المسافة المباشرة من طروادة إلى إيثاكا، والتي تبلغ نحو 565 ميلًا بحريًا، فيمكن لسفينة حديثة قطعها في أقل من 24 ساعة.
وهكذا، فإن الرحلة التي صنعت واحدة من أشهر ملاحم الأدب العالمي يمكن أن تبدو اليوم أقصر كثيرًا، لكن تحديد الطريق الذي سلكه أوديسيوس فعلًا يظل لغزًا لم تحسمه الجغرافيا حتى الآن.

لوحة لسفينة أوديسيوس

لوحة لطروادة

بحيرة أفيرنوس في إيطاليا

جزيرة إيثاكا حالياً

تعليقات