قد تمنع طبقة واقية شديدة الحساسية دخول المواد الضارة، في بعض الأحيان، دخول مواد مفيدة إلى نفس المنطقة التي صُممت لحمايتها، و يُعد الحاجز الدموي الدماغي (BBB) أحد هذه الأمثلة، فبينما صُمم هذا الحاجز لمنع السموم ومسببات الأمراض الضارة في مجرى الدم من الوصول إلى الدماغ، مع السماح في الوقت نفسه بمرور العناصر الغذائية الأساسية، أصبح الحاجز الدموي الدماغي خصماً عنيداً للأدوية التي يجب إيصالها إلى الدماغ.
وبحسب موقع “Medical xpress”، قامت دراسة حديثة في الطب التجريبي والجزيئي بتحليل مجموعة واسعة من الاختراقات العلمية، لاستكشاف كيف يمكن للأدوية أن تتجاوز حاجز الدم الدماغي وأن يتم توصيلها مباشرة إلى الدماغ.
العلاقة بين الأنف والدماغ
يبدو أن الأنف يوفر منفذاً خلفياً مثالياً تقريباً إلى الدماغ، فهو مسار سريع وخالٍ من الإبر، قادر على تجاوز الحاجز الدموي الدماغي تماماً، فضلاً عن تجنب المرحلة الأولى من تكسير الدواء في الكبد، مع ذلك يتميز الأنف بكفاءة عالية في إزالة أو تدمير المواد الغريبة، مما لا يترك سوى وقت ضئيل جداً لامتصاص الأدوية قبل التخلص منها.
وجد الباحثون أن أنظمة التوصيل المتقدمة قد توفر لجزيئات الدواء حماية كافية لتجاوز رحلتها عبر الأنف، وذلك باستخدام ثلاث استراتيجيات محتملة، إذ يمكن للجسيمات النانوية أن تمنح الأدوية غلافًا واقيًا يساعدها على الالتصاق بالمخاط، وحمل حمولتها بأمان، والوصول إلى الأنسجة المسؤولة عن حاسة الشم.
تتخذ الحويصلات خارج الخلوية مسارًا مختلفًا، إذ تحمل إشارات استهداف موروثة من الخلايا الأم، مما قد يساعدها على التفاعل مع أنسجة المخ المصابة أو الملتهبة. ويمكن للأنظمة الحية، مثل الخلايا المعدلة وراثيًا والفيروسات والبكتيريا، استشعار الظروف المحلية وإنتاج الأدوية وإطلاقها بدقة في المكان والزمان المطلوبين.
تهريب الأدوية إلى الدماغ
تؤثر العديد من الحالات المرضية المتعلقة بالدماغ، مثل الأمراض التنكسية العصبية، والاضطرابات النفسية، وأورام الدماغ، والسكتة الدماغية، على الجهاز العصبي. ومع ذلك، يواجه إيصال الأدوية إلى الجهاز العصبي المركزي دون اللجوء إلى أساليب جراحية كالحقن تحديًا كبيرًا يتمثل في الحاجز الدموي الدماغي، الذي يعامل الأدوية كأجسام غريبة تحاول دخول الدماغ من الدم، والطريقة غير الجراحية الوحيدة المتاحة هي الإيصال من الأنف إلى الدماغ.
يعود الفضل في ذلك إلى المسار الشمي، حيث تنقل الأعصاب الحسية معلومات عن الروائح التي تستشعرها الخلايا المستقبلة في الظهارة الأنفية إلى مقدمة الدماغ، أما المسار الآخر الأطول فهو المسار الثلاثي التوائم، الذي قد يسمح للجزيئات التي تصل عبر الأنف بالوصول إلى أجزاء أعمق من الدماغ، بما في ذلك جذع الدماغ.
تُحقق هذه الطريقة نجاحًا ملحوظًا في القوارض المخبرية، لكن التشريح البشري يُشكل عائقًا أمامنا هنا، ففي القوارض، تُغطي الظهارة الشمية ما بين 40% و50% من تجويف الأنف، بينما لا تُغطي في البشر سوى ما بين 3% و10%. وحتى لو تمكن الدواء من الوصول إلى هذه المساحة الضيقة، فإن المخاط يُزيله وتُحلله الإنزيمات على الفور تقريبًا، فلا يتبقى سوى وقت ضئيل جدًا لامتصاصه.
حماية جزيئات الدواء
كشفت المراجعة عن طرق ذكية لمنع زوال الدواء بسرعة كبيرة. إذ يسمح تغليف الجسيمات النانوية بمادة عديد السكاريد الطبيعية اللزجة المسماة الكيتوزان، والموجودة في قشور الجمبري والقشريات الأخرى، بالالتصاق ببطانة الأنف، مما يُبقي العلاج في الأنف لمدة تتراوح بين ضعفين إلى أربعة أضعاف المدة المعتادة.
يمكن تحقيق بقاء أطول للدواء من خلال التغليف الليبوزومي، الذي يغلف الأدوية داخل فقاعات صغيرة تشبه الدهون. كما تُحسّن هذه الطريقة استهداف الدماغ وتُوصل ما يقارب سبعة أضعاف كمية الدواء إلى الدماغ.
تتواصل الخلايا بشكل طبيعي عن طريق إطلاق فقاعات بيولوجية دقيقة تُسمى الحويصلات خارج الخلوية. وقد وجد العلماء أن هذه الحويصلات تُعدّ أيضًا وسيلة فعّالة لإيصال الأدوية، إذ يمكن للحويصلات المُستخلصة من الخلايا الجذعية العصبية أن تنتشر بسرعة في جميع أنحاء الدماغ، لتصل إلى جميع مناطقه تقريبًا في غضون 45 دقيقة من إيصالها عبر الأنف.
تتميز فقاعات الخلايا المناعية بأنها أكثر انتقائية، حيث أنها تنتقل مباشرة إلى المناطق الملتهبة في الدماغ، مما قد يؤدي إلى استهداف الأمراض التنكسية العصبية مثل مرض باركنسون ومرض الزهايمر، والتي غالباً ما ترتبط بالالتهاب العصبي.
تُوسّع الخلايا الحية المُصممة خصيصاً هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك. فقد أظهرت الدراسات أن الخلايا الجذعية يمكنها الانتقال عبر مسارات الأعصاب الأنفية مباشرة إلى الدماغ بدلاً من مجرد نقلها إليه.
في نماذج السكتة الدماغية، وصل رذاذ أنفي يحتوي على الخلايا الجذعية والدواء إلى أنسجة المخ المتضررة في غضون ساعة ونصف فقط، ليصل بسرعة كافية للحد من الإصابة وبدء عملية الترميم، كما أظهرت سلالات غير ضارة من البكتيريا والفيروسات خصائص مماثلة، مستخدمةً نفس المسار المباشر إلى الدماغ للوصول إلى هدفها المقصود.
أدت التطورات في علم الأحياء التركيبي وتقنية النانو إلى ابتكار أدوات توصيل ذكية توسع آفاق علاج أمراض الدماغ. إلا أن تحويل هذه الأدوات إلى علاجات فعلية سيستغرق وقتاً طويلاً، ويشير الباحثون إلى أن التوصيل المنتظم، والاستهداف الدقيق داخل الدماغ، والسلامة على المدى الطويل، والتصنيع على نطاق واسع، كلها أمور ضرورية لإيصال هذه العلاجات إلى العيادات.


تعليقات