خالد دومة يكتب: أذناب الفن

خالد دومة يكتب: أذناب الفن

يتمرد الإنسان على التقاليد البالية، وعلى الأمور التي يرى فيها مناقضة للعقل والطبيعة السوية. أما أن يتمرد فيما هو من قبيل المظهر والصورة، فيرتدي الغريب من الزي، أو يتكلم أو يؤدي حركات، بطريقة تعكس انقيادًا لشخص، أو يعمل بطريقة تبدو غريبة وغير مألوفة لمن حوله، فهؤلاء أذناب لا يتمردون إلا على كل ما هو خير، وينساقون في تمردهم إلى عدم المبالاة بردود أفعال غيرهم.

عقولهم أفرغ من الفراغ، فيملؤونها بما يشينها وينزل بها إلى دركات التصنع. فهم آلات صنعتها أيدٍ غريبة لتقدم محتوى وضيعًا لا يرقى إلى أي نوع من أنواع الفن. فهذه القوالب الجوفاء، الخالية من أي معنى، لا تقدم فكرة، ولا تترك أثرًا يثري العقول والأفهام، أو الذوق العام والخاص.

ومن يهتفون لهم إنما هم نمط آخر من الناس، وقوالب مصبوبة تحاكي الغرب دون فهم. وإن كان الغرب يبتكر ويسعى إلى الإبداع، فإنه يفهم ما يفعل، أما هذه العقول الصماء فهي، في الحقيقة، مصابة بعمى التقليد وهستيريا المحاكاة. هناك قد يترك الفن أثرًا يتراوح بين الجميل والقبيح، أما هنا فلا يكاد أثره يتجاوز القبح؛ لأنه نابع من آلة، لا من شعور إنساني سليم تتلقفه العقول والأفهام والأذواق الصحيحة.

إنها أشبه بحمى تصيب الجميع، فلا يدرك المصاب ما يفعل، ولا يعي ما يقول؛ لأنه منقاد إليها. وهؤلاء ليسوا متمردين لأنهم سئموا قبائح أرادوا إزالتها، بل هم متمردون لأنهم ظنوا أن ما فعله غيرهم هو الأحسن، وقد لقي الترحيب في أمة أخرى ومجتمع آخر، فحسبوا أنهم إذا فعلوا مثله نالوا الثناء، فنالوا ثناء أمثالهم من أصحاب التمرد الآلي، إن جاز التعبير.

إنهم لا يعرفون الفرق بين التمرد الحقيقي والكاذب، وتمرد الاتباع، والابتداع. ويطلقون أحكامهم المعهودة التي تعطي انطباعًا عكسيًا عما يدور حولهم؛ فالقبيح جميل في أعينهم، والجميل لا قيمة له. وهذا يدل على غياب الأمانة فيما يعرضونه من فن، وانسياقهم المخدوع وراء من هم مثلهم في الفهم وسقم الأذواق.
فليس كل جديد، وإن كان غريبًا، نافعًا يحمل معنى، وليس كل قديم مرفوضًا لأنه قديم. فأحيانًا يكون في إعادة القديم إبداع خالص، يضيف إلى الأفهام والأذواق الكثير مما لا يستطيع الجديد أن يضيف منه ولو نسبة يسيرة.

وهؤلاء لا يعرفون حرية الفن وجمال الإبداع؛ فالفن عندهم مقيد بسلاسل يجرونها جرًا من فنون الآخرين. هم مقلدون لا إبداع عندهم ولا حرية، وإنما هي قيود تحيط برقابهم وبرقاب فنهم المسلوب من فن أنتجته طبائع وأذواق مختلفة، لتحدث أثرها في أمثالهم، ممن لا يعرفون حرية الفن، ولا إبداع الكلمة، وروعة اللحن، وحسن الأداء.

فلا يحمل تمردهم معنى ولا رسالة، لأنهم يعفون أنفسهم من الاجتهاد والعمل على الخلق والابتكار. فهم أسرى التقليد، وعنوان الكسل. ولذلك فهو فن غير صادق، سرعان ما يختفي ويزول؛ لأنه لا يحمل قيمة واحدة أصيلة من قيم الإنسانية التي تبقى مع الزمن، فصورته تتلاشى؛ إذ هو عرض سريع لشيء بلا معنى، وصورة مبهمة لا تحمل في خطوطها وألوانها سوى مزيج من ضآلة الفن والفكر. أو الفن الهابط كما يقولون. وتقف مبهوتًا حين يقال عنه فن ورسالة.

ولك أن تسأل هذه الجموع عن موضع إعجابهم بما يرون أو يسمعون، لتعرف مدى قصورهم عن فهمه، وتدرك أنهم لا يفرقون بين جيده وسيئه، وموضع إعجابهم  فيما هم مبهورون به.