لا يبدو مشروع المؤرخ المصري الكبير الدكتور خلف عبد العظيم الميري مجرد محاولة لإعادة سرد وقائع التاريخ العربي والإسلامي، بقدر ما يمثل اشتغالًا على السؤال الأوسع: كيف يمكن قراءة التاريخ خارج القوالب الجاهزة التي اختزلته طويلًا في الصراع السياسي والعسكري، أو وضعته داخل تصورات مركزية تنظر إلى التجربة العربية والإسلامية باعتبارها هامشًا تابعًا لمسار الحضارة الغربية؟
هذا ما يحاول الباحث إسماعيل نوري الربيعي تفكيكه في دراسته المعنونة «قراءة تحليلية في مشروع المؤرخ المصري خلف عبد العظيم الميري»، نشر في العدد الثامن والثلاثين من مجلة العلوم الاجتماعية والصادرة عن المركز الديمقراطي العربي للدرسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية بألمانيا، التي تقدم قراءة نقدية للمشروع التاريخي والفكري للميري، وتتوقف عند الأدوات المنهجية والأفكار التي تحكم رؤيته للتاريخ والحضارة.
وتنطلق قراءة الربيعي من اعتبار مشروع الميري تجربة تتجاوز الكتابة التاريخية التقليدية التي تكتفي بتتابع الأحداث والأسماء والتواريخ، إلى محاولة فهم البنى التي أنتجت تلك الأحداث، والعلاقات التي ربطت بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، فضلًا عن إعادة النظر في الطريقة التي جرى بها تقديم التاريخ العربي والإسلامي في الكتابات الحديثة.
التاريخ بوصفه تجربة إنسانية
من الأفكار المركزية التي يتوقف عندها الربيعي مفهوم «العالمية الإنسانية» في مشروع الميري. فالحضارة الإسلامية، وفق هذه الرؤية، لم تتشكل باعتبارها مشروعًا مغلقًا على ذاتها، وإنما بنت حضورها الحضاري من خلال استيعاب التنوع الثقافي والتفاعل مع الحضارات الأخرى.
ومن هنا لا يصبح التاريخ مجرد سلسلة من الحروب والفتوحات والصراعات على السلطة، وإنما مساحة للتفاعل بين المجتمعات والأفكار والمعارف. وهو ما يسمح بقراءة التجربة الحضارية الإسلامية باعتبارها جزءًا من التاريخ الإنساني الأوسع، شاركت في تشكيله وتأثرت في الوقت نفسه بمختلف مكوناته.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها لأنها تنقل مركز الاهتمام من سؤال «من انتصر ومن هُزم؟» إلى أسئلة أكثر تركيبًا تتعلق بكيفية تشكل المجتمعات، وانتقال الأفكار، وتفاعل الثقافات، وصناعة المعرفة.
مواجهة المركزية الغربية
ويحتل نقد المركزية الغربية موقعًا مهمًا في مشروع الميري كما تعرضه دراسة الربيعي. فالمسألة، هنا، لا تتعلق برفض الغرب أو إنكار إسهاماته الحضارية، وإنما بإعادة النظر في الطريقة التي جرى من خلالها بناء بعض السرديات التاريخية التي جعلت التجربة الغربية مركزًا لقراءة التاريخ الإنساني.
وفي هذا السياق، ينظر الميري إلى بعض أطروحات الاستشراق باعتبارها بحاجة إلى تفكيك وإعادة قراءة، خصوصًا عندما تؤدي إلى تحجيم الدور الحضاري للعرب والمسلمين أو التعامل مع إسهاماتهم الفكرية والعلمية باعتبارها هامشية في مسار النهضة الإنسانية.
وتصبح إعادة قراءة المصادر ضرورة لإعادة اكتشاف ما تم تهميشه أو اختزاله، لا بهدف صناعة رواية مضادة تقوم بدورها على الانتقائية، وإنما من أجل الوصول إلى صورة أكثر اتساعًا وتعقيدًا للتاريخ.
من النقل إلى النقد
ومن أبرز ملامح المشروع التي يشير إليها الربيعي الصرامة المنهجية في التعامل مع الروايات التاريخية. فالمؤرخ، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لما ورد في المصادر، وإنما عليه أن يتعامل معها باعتبارها مادة تحتاج إلى الفحص والمقارنة والتحليل.
وهنا تظهر أهمية نقد الأصول والمصادر، والنظر في السياقات التي أنتجت الرواية التاريخية، والتمييز بين الوقائع وبين التأويلات التي لحقت بها عبر مراحل الكتابة والنقل.
وبذلك يتحول المؤرخ من راوٍ للأحداث إلى باحث في شروط إنتاجها وتوثيقها، وهو انتقال يضع المنهج في قلب العملية التاريخية، ويجعل السؤال النقدي جزءًا أساسيًا من كتابة التاريخ.
التاريخ والمجتمع.. قراءة تتجاوز السياسة
ولا يتوقف مشروع الميري عند التاريخ السياسي بمعناه التقليدي، بحسب الربيعي، وإنما يمتد إلى محاولة فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي صاحبت نشأة المجتمعات وتغيرها.
ومن هنا يأتي توظيف أدوات العلوم الاجتماعية في قراءة الظاهرة التاريخية؛ فالحادثة السياسية لا يمكن فصلها دائمًا عن الظروف الاقتصادية التي أحاطت بها، ولا عن البنية الاجتماعية التي أنتجتها، ولا عن الأفكار التي كانت سائدة في المجتمع.
هذه المقاربة تمنح التاريخ مساحة أوسع، إذ يصبح المجتمع نفسه موضوعًا للتاريخ، وليس مجرد خلفية للأحداث السياسية الكبرى. كما تتيح فهم التحولات بوصفها نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل، بدلًا من ردها إلى شخصية واحدة أو قرار سياسي منفرد.
إعادة قراءة التاريخ المصري والعربي الحديث
ويمتد اهتمام الميري، كما يوضح الربيعي، إلى التاريخ المصري والعربي الحديث، حيث يبحث في التحولات التي أسهمت في تشكيل الواقع المعاصر، ولا يكتفي بتقديم الأحداث في ترتيب زمني.
وتحاول هذه القراءة النظر إلى العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية، وإلى كيفية تفاعلها في صناعة التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي شهدتها المنطقة.
وبذلك لا يصبح التاريخ الحديث مجرد سجل للأنظمة والحكام والحروب، وإنما مجالًا لفهم تكوين الدولة والمجتمع والأفكار والتيارات التي أسهمت في تشكيل الواقع العربي المعاصر.
مشروع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية
ومن السمات اللافتة في مشروع الميري، وفق قراءة الربيعي، التكامل بين التاريخ والعلوم الاجتماعية. فالمؤرخ يستفيد من أدوات علم الاجتماع والاقتصاد والتحليل النفسي وغيرها من الحقول المعرفية من أجل الاقتراب بصورة أكثر شمولًا من الظواهر التاريخية.
وهذا التكامل يفتح الباب أمام قراءة التاريخ باعتباره ظاهرة مركبة، لا يمكن تفسيرها من خلال عامل واحد. فالدين والسياسة والاقتصاد والثقافة والبنية الاجتماعية تتقاطع في إنتاج الأحداث، كما أن الفرد والجماعة والمؤسسة والدولة يتحركون داخل شبكة معقدة من المصالح والتصورات والقيم.
التاريخ بوصفه معرفة لا ذاكرة فقط
وفي النهاية، تضع دراسة إسماعيل نوري الربيعي مشروع خلف عبد العظيم الميري في إطار محاولة للانتقال بالتاريخ من مجرد ذاكرة للأحداث إلى معرفة بها.
فالهدف ليس استعادة الماضي لمجرد استعادته، وإنما مساءلته وفهمه والكشف عن آلياته الداخلية، وإعادة النظر في الصور التي استقرت عنه بفعل التراكمات السياسية والثقافية والمنهجية.
ومن هذه الزاوية، يرى الربيعي أن مشروع الميري يمثل تجربة لافتة في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة، لأنه يسعى إلى الجمع بين النقد التاريخي والتحليل الحضاري والاستفادة من العلوم الاجتماعية، مع محاولة تفكيك المركزيات التي حكمت بعض قراءات التاريخ العربي والإسلامي.


تعليقات