قد يبدو فقدان الذاكرة لسنوات طويلة وكأنه قصة من أحد الأفلام، لكنه في الواقع حالة طبية نادرة وثقتها دراسات علمية، وحدثت لأشخاص فقدوا ذكريات تمتد من عدة سنوات إلى عقود كاملة من حياتهم، والأغرب أن بعض هؤلاء الأشخاص ظلوا قادرين على الكلام والتعامل مع الآخرين وتذكر المعلومات الجديدة، بينما اختفت أجزاء ضخمة من ماضيهم الشخصي.
رجل ياباني فقد حياته السابقة لأكثر من 5 سنوات
من أغرب الحالات الطبية رجل ياباني في الأربعينيات من عمره، فقد ذاكرته الشخصية بعد زلزال تسونامي اليابان عام 2011، ووفقًا لدراسة منشورة في دورية Case Reports in Psychiatry، عُثر على الرجل في عام 2016، أي بعد أكثر من 5 سنوات من الكارثة، لكنه لم يكن قادرًا على تذكر اسمه أو تاريخ ميلاده أو أسماء والديه أو أي معلومات تقريبًا عن حياته قبل يوم الزلزال.
واللافت أنه كان يستطيع تذكر الأحداث التي وقعت بعد الكارثة، كما احتفظ بقدرته على التواصل الاجتماعي والقيام بالمهام اليومية، ولم تظهر فحوص المخ بالرنين المغناطيسي أو الفحوص العصبية مشكلة عضوية واضحة تفسر فقدان الذاكرة.
ورجح الباحثون أن الحالة كانت مرتبطة باضطراب في الذاكرة الذاتية والانفصال النفسي المرتبط بالصدمة، مع وجود أعراض شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة، مثل الكوابيس وذكريات اقتحامية مرتبطة بالكارثة.
رجل فقد 20 عامًا من حياته بعد حادث بسيط
وفي حالة أخرى، نشرتها American Journal of Case Reports، فقد رجل يبلغ 41 عامًا ذكريات نحو 20 عامًا من حياته بعد تعرضه لحادث بسيط أثناء قيادته دراجة كهربائية.
الأغرب أنه لم يستطع التعرف على زوجته أو أطفاله، وكان يعتقد أنه ما زال في عمر 21 عامًا ويعيش مع والدته في مخيم للاجئين، وهي المرحلة التي سبقت انتقاله إلى الدنمارك وبناء حياته الأسرية والمهنية هناك.
وأجرى الأطباء له فحوصًا جسدية وعصبية، ولم يجدوا سببًا عضويًا واضحًا يفسر فقدان هذه السنوات من ذاكرته. وبعد ذلك ظهرت لديه أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة وأعراض نفسية أخرى، وانتهى تقييم الحالة إلى أن فقدان الذاكرة الانفصامي كان التفسير الأكثر ترجيحًا.
وخلال نحو 8 أشهر، بدأ الرجل يستعيد معظم ذكرياته تدريجيًا، لكن الباحثين أكدوا أنه لا يمكن الجزم بما إذا كان تحسن الذاكرة نتيجة العلاج النفسي أو العلاج الدوائي أو مرور الوقت أو مجموعة من هذه العوامل.
حالة نادرة جدًا.. رجل فقد ذاكرة 40 عامًا
وفي واحدة من أكثر الحالات إثارة للدهشة، نشرت دورية Cortex عام 1982 تقريرًا عن مريض أصيب بصورة مفاجئة بفقدان شديد للذاكرة الرجعية امتد إلى آخر 40 عامًا من حياته.
ولم يقتصر الأمر على نسيان الأشخاص والأحداث، بل شمل الفقدان أيضًا معلومات ومهارات اكتسبها خلال تلك العقود، بينما لم يكن يعاني من فقدان الذاكرة للأحداث الجديدة بالطريقة نفسها.
وظلت الحالة دون تحسن لأكثر من 18 شهرًا، ورجح الباحثون وجود سبب وعائي، لكنهم أشاروا إلى أن شدة الحالة وطبيعتها لم تكن سهلة التفسير وفق المعرفة الطبية المتاحة آنذاك.
لماذا يمكن أن يفقد الإنسان سنوات من ذاكرته؟
توضح هذه الحالات أن فقدان الذاكرة الرجعي يمكن أن يحدث لأسباب مختلفة، منها إصابات الدماغ، اضطرابات الأوعية الدموية، نقص الأكسجين، وبعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالصدمة.
وفي الحالات الانفصامية تحديدًا، قد يفقد الإنسان ذكريات شخصية مهمة دون وجود تلف واضح في المخ، وهو ما يجعل هذه الحالات معقدة للغاية بالنسبة للأطباء.
لكن من المهم عدم الخلط بين هذه الحالات النادرة وبين النسيان الطبيعي؛ فعدم تذكر اسم أو موعد أو مكان شيء ما لا يعني فقدان الذاكرة المرضي.
هل يمكن أن تعود الذاكرة؟
تختلف الإجابة حسب السبب.
في بعض الحالات قد تعود الذكريات تدريجيًا، كما حدث مع الرجل الذي فقد 20 عامًا من حياته، بينما قد يستمر فقدان الذاكرة لفترات طويلة في حالات أخرى.
ويعتمد العلاج على السبب الأساسي، وقد يشمل علاج المشكلة العصبية أو الإصابة إن وجدت، أو الدعم والعلاج النفسي عندما يكون فقدان الذاكرة مرتبطًا بصدمة أو اضطراب انفصامي.
قصص فقدان الذاكرة لسنوات طويلة حقيقية لكنها نادرة للغاية، وتكشف أن الذاكرة ليست نظامًا واحدًا؛ فقد يحتفظ الإنسان بقدرته على التعلم والتحدث والتعامل مع الآخرين، بينما يفقد ذكريات حياته الشخصية.
وتؤكد هذه الحالات أيضًا أن فقدان الذاكرة الشديد والمفاجئ يحتاج إلى تقييم طبي وعصبي ونفسي شامل، لأن السبب قد يكون عضويًا أو نفسيًا، وأحيانًا يتداخل أكثر من عامل في حدوثه.


تعليقات