المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة الجديدة رمز من رموز القوة الناعمة لمصر
يعتبر من أهم المشاريع التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة مشروع المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهو من المشاريع التي تمثل مظهرًا من مظاهر القوة الناعمة لمصر.
ذلك أن هذا المشروع يعتبر إنجازًا كبيرًا، ومن أهم المشروعات التي فكرت ونفذت الحكومة المصرية، هذا المركز الثقافي الإسلامي الذي زُوِّد بأحدث الإمكانيات العالمية ليكون مركزًا عالميًا يهدف إلى النمو الفكري والثقافي والديني والاجتماعي، بعيدًا عن أي نوع من أنواع التطرف وأي نوع من الأهداف السياسية المحدودة لبعض الجماعات.
يعتبر هذا المركز من المراكز الثقافية المهمة في مصر، والتي تستهدف ليس فقط جموع الشعب المصري في الداخل، وخاصة فئة الشباب، ولكن أيضًا تستهدف جموع الشباب من الشعوب الإسلامية المختلفة.
تم إنشاء هذا المركز الثقافي الإسلامي على مساحة كبيرة جدًا من الأرض، وضم في داخله أكبر مسجد في قارة أفريقيا، وربما في الشرق الأوسط، ويحمل اسم مسجد مصر، ويتسع هذا المسجد لحوالي 30 ألف مصلٍّ.
ولم يقتصر هذا المركز على هذا المسجد، بل ضم أيضًا مكتبة كبيرة جدًا بها عدد ضخم جدًا من الكتب والمخطوطات التي تحتوي على كل أنواع الكتابات الفقهية والتعاليم الدينية الإسلامية، مثل الفقه المقارن والتفسيرات المختلفة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وأيضًا تفسيرها وشرحها، وأيضًا كتب الأئمة من الفقهاء المسلمين أو غيرها من الكتب المتعلقة بالحضارة الإسلامية بصفة عامة.
ويعد هذا المركز فخرًا للإسلام والمسلمين أمام العالم بأكمله، وما زالت يد التطوير تتناول هذا المركز في أكثر من اتجاه، سواء من حيث التوسع الأفقي أو تزويده بكثير من العناصر، مثل تزويد المكتبة بالمزيد من الكتب والتراجم، أو أيضًا إنشاء بعض الأقسام الخاصة باستقبال الشباب من الشعوب الإسلامية.
وحتى يمكن لنا أن نأخذ فكرة عن هذا المركز، نجد أنه بالنسبة للمساحة التي أقيم عليها في العاصمة الإدارية الجديدة، فهي مساحة حوالي 15000 متر مربع، ويوجد في هذا المركز أيضًا مكان كبير للخدمات المختلفة إلى جوار المسجد، كما أسلفنا، وأيضًا مجموعة من الأماكن الخاصة باستقبال الناس، ومن حيث أماكن السيارات أو المدرجات الواسعة المجهزة تجهيزًا عاليًا جدًا ومتعدد الاستخدام، ليستطيع المركز أن يلبي احتياجات المسلمين الزائرين له من جميع أنحاء العالم.
فالمكان المخصص للسيارات يتسع لحوالي 4000 سيارة، حتى يمكن له أن يستوعب الزائرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي في المناسبات الكبرى أو المناسبات التي تعقد في هذا المكان، كما أيضًا يوجد به قاعات للاستقبال بالنسبة لرؤساء وملوك الدول الإسلامية في قاعة فخمة للغاية ومزودة بكافة أنواع الراحة.
ومنذ إنشاء هذا المركز في العاصمة الإدارية الجديدة، وهو يأخذ شكلًا من أهم معالم هذه العاصمة التي تظهر للعيان أثناء زيارتها، سواء من حيث المساحة أو سواء من حيث الإمكانيات المختلفة لهذا المركز على المساحة الكبيرة، والذي ضم أكبر مسجد في أفريقيا أو ربما في الشرق الأوسط.
وتسمية هذا المسجد باسم مسجد مصر لها دلالتها، على أن مصر كانت ولا زالت هي الرائدة فيما يتعلق بالدعوة الإسلامية وفقًا لآلية الوسطية الإسلامية التي يمثلها الأزهر الشريف. هذا المسجد أيضًا، إلى جوار كونه مسجدًا مخصصًا لعبادة الله سبحانه وتعالى، إلا أنه يمثل تحفة معمارية.
ويحتوي المركز على مجموعة من المنشآت والمباني الخدمية التي جعلت منه مركزًا متكاملًا ولا ينقصه شيء، واتضح أيضًا أنه من أكبر المراكز الإسلامية والثقافية ربما في أفريقيا أو في العالم الإسلامي، فهو يضم كثيرًا من القاعات الكبيرة وعددًا من الطوابق، ويحتوي على أكثر من قاعة مناسبات لإقامة المؤتمرات والاجتماعات والمناقشات المختلفة حول قضايا العالم الإسلامي، سواء القضايا الفكرية أو القضايا الفقهية أو القضايا المعاصرة.
ويوجد بالمكتبة جزء منها لأصحاب الهمم من شباب وزوار المسجد من المسلمين، وخاصة باستحداث وسائل كثيرة جدًا لإيصال المعلومات إلى هؤلاء.
وإذا أخذنا بعض التفاصيل المعمارية لهذا المركز، سنجد أنه يحتوي على أربع بوابات رئيسية تعمل كمداخل رئيسية له، وتربط بين الحرم الخاص به أو ساحة المسجد والساحة الأمامية، ثم المباني الفعلية.
وأيضًا تشتمل على بعض المحلات التجارية التي تخدم الزائر لهذا المكان باعتباره قبلة سياحية، وباعتباره مركزًا لاستقبال الزائرين، وأيضًا توجد غرفتان لتحفيظ القرآن، كل غرفة منهما مساحتها حوالي 100 متر مربع، وقاعة الصلاة مساحتها حوالي 1700 متر مربع.
ومن مباني الخدمات أيضًا لهذا المركز مركز تجاري كامل يحتوي على بوابتين للدخول إليه، كما أن هناك مدخلين للخدمات في هذا المكان، وتنقسم المساحات بعد ذلك إلى مكاتب إدارية وقاعات اجتماعات ومحلات تجارية، وتوجد أيضًا ثمانية مواقف للسيارات متعددة الطوابق بمساحة 70 ألف متر مربع، وتتسع إلى 1750 سيارة.
يتضمن المشروع أيضًا مسارًا للجنازات الرسمية للدولة، باعتبار أن هذا المشروع هو من المشاريع السيادية للدولة، وأيضًا ربما تجري بعض مراسم الجنازات لمسؤولين من الدولة أو لضيوف هذه الدولة في هذا المكان الذي أُعد خصيصًا لهذا الأمر، أسوة بالمساجد الجامعة الموجودة في مصر والعالم.
وكما أسلفنا، فإن هذا المركز أُنشئ في عاصمة مصر الإدارية الجديدة، ليس بغرض خدمة الشعب المصري فقط، وإنما هو مركز ثقافي اجتماعي إسلامي متكامل ذو صفة عالمية لجميع المسلمين ومرجعية للعالم الإسلامي على كافة المستويات، ولذلك فإنه يعتبر من أروع المراكز الإسلامية في أفريقيا والشرق الأوسط.
كما يساهم هذا المركز في كونه نوعًا من أنواع القوة الناعمة المصرية في العالم الإسلامي، وأيضًا يعتبر هذا المشروع الذي يتكون من مسجد ومبانٍ وقاعات ومبانٍ خدمية ومركز ثقافي تجاري، وإلى آخره، ذا طابع عالمي.
كما يساهم بإثراء النمو الثقافي والفكري والديني لشباب العالم الإسلامي، ليحميهم من دعاوى التطرف ودعاوى الإسلام ونشر تعليم الدين الإسلامي المعتدل، ومواجهة هذه الحركات الدينية المتطرفة في ظل هذه الهجمة الشديدة جدًا في العالم ضد كل ما هو إسلامي، باعتباره شكلًا من أشكال الإرهاب.
ويهدف هذا المركز إلى تصويب الصورة وإعطاء الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين، كما كانت مصر دائمًا سباقة إلى إبراز سماحة الدين الإسلامي الذي يدعو في جوهره إلى التعايش السلمي بين كافة الناس وكافة الشعوب، وتقبل الآخر وإعطاء حرية الاعتقاد وفقًا لقانون الاختلاف والتنوع في الكون، وهو ما أرسى قواعده الرسول صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة من مكة وأسس شكلًا من أشكال المجتمعات الإسلامية المتعددة الجنسيات والمتعددة الأعراق والمتعددة الديانات.
ويعتبر هذا المركز استمرارًا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر تعاليم الإسلام وفقًا لقواعد السنة المحمدية وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي كانت مصر دائمًا وأبدًا بمنشآتها ومؤسساتها الدينية سباقة في أن تعرض على العالم نموذجًا لهذا الإسلام الوسطي الذي يقوم على التعايش وقبول الآخر، والتسامح في جوهره، مما يجعل هذا المركز شكلًا من أشكال القوة الناعمة لمصر، بل القوة الناعمة المؤثرة في مليارات من المسلمين في كافة أنحاء العالم الإسلامي.
وأنا أدعو الجميع، وخاصة طلبة البعوث الإسلامية الذين يأتون إلى الأزهر للتعلم، إلى أن تحدد لهم زيارات لهذا المكان، حتى ينقلوا هذه الصورة إلى مواطنيهم في بلدانهم الأصلية، ويقومون بإيصال الصورة الحقيقية لهذا المكان الرائع معماريًا وفكريًا، والذي قامت مصر ولا شك بإنشائه ليصبح منارة ليس فقط من الحجر ترتفع في العاصمة الإدارية الجديدة، ولكن أيضًا منارة فكرية تطل بنورها على كافة أنحاء العالم الإسلامي، وهو الدور الذي لعبته مصر دائمًا وأبدًا، وأصبح جزءًا من الشخصية المصرية وهويتها.


تعليقات