تمر اليوم الذكرى الـ49 على رحيل الشاعر الجزائري الكبير مفدي زكريا، الذي رحل في 17 أغسطس عام 1977، تاركًا وراءه تجربة شعرية ارتبطت بتاريخ الثورة الجزائرية ونضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، كما ارتبط اسمه بالنشيد الوطني الجزائري «قسما».
ولم يتعامل مفدي زكريا مع الشعر باعتباره وسيلة للتعبير عن مشاعره الوطنية فحسب، وإنما سعى إلى تحويله إلى سجل شعري لتاريخ الجزائر، وهو ما تجسد بصورة واضحة في ملحمته «إلياذة الجزائر»، التي أراد من خلالها أن يستعيد ذاكرة بلاده، ويوثق حضارتها ومقاوماتها، ويخلد بطولات شعبها في مواجهة الاحتلال.
«إلياذة الجزائر».. حين يتحول التاريخ إلى شعر
جاءت فكرة «إلياذة الجزائر» من اقتراح زميله مولود قاسم نايت بلقاسم، الذي دعا مفدي زكريا إلى كتابة عمل شعري يستوعب تاريخ الجزائر، منذ الحضارات التي تعاقبت عليها، مرورًا بمراحل الاحتلال والمقاومة، وصولًا إلى الثورة الجزائرية.
وكانت الفكرة مناسبة لتجربة مفدي زكريا الشعرية والوطنية، فحوّلها إلى مشروع ملحمي لا يكتفي بسرد الأحداث، وإنما يعيد صياغة التاريخ من خلال الشعر، لتصبح القصيدة مساحة لاستعادة الذاكرة الوطنية وتخليد رموز المقاومة.
وتتكون «الإلياذة» في صورتها النهائية من 1001 بيت، موزعة على مئة مقطع، يتكون كل مقطع من عشرة أبيات، باستثناء المقطع الثالث الذي جاء في أحد عشر بيتًا.
لكن الملحمة لم تظهر مكتملة منذ البداية، فقد ألقى مفدي زكريا جزءًا منها لأول مرة في افتتاح الملتقى السادس للفكر الإسلامي بقاعة المؤتمرات في قصر الأمم، بحضور الرئيس هواري بومدين وعدد كبير من المشاركين، وكانت الإلياذة وقتها قد بلغت 610 أبيات، قبل أن يواصل الشاعر العمل عليها حتى اكتملت في صورتها النهائية.
كما ارتبط تقديمها في تلك المرحلة بالاحتفال بالذكرى العاشرة لاسترجاع الجزائر استقلالها، وبالذكرى الألفية لتأسيس مدينة الجزائر على يد بلكين بن زيري.
ولم يكن اختيار مفدي زكريا لاسم «الإلياذة» عابرًا، فهو يضع تجربته في حوار مباشر مع الملاحم الكبرى في التراث الإنساني، وعلى رأسها «إلياذة» هوميروس و«الشاهنامة» الفارسية، غير أن الشاعر أراد أن يمنح الملحمة الجزائرية خصوصيتها، إذ لم يعتمد على الأساطير والخرافات، وإنما جعل التاريخ الحقيقي وبطولات الشعب الجزائري مادتها الأساسية.


تعليقات