الفيلم الذي يقتل صناعه!

بالمصادفة البحتة وجدت على إحدى منصات عرض الأفلام فيلما بعنوان “سمكة وصنارة” تأليف محمد كرار، إخراج طارق عبدالمعطي، وإنتاج عام 2017، ودفعني الفضول لمشاهدة الفيلم الذي صدر منذ ما يقرب من 10 سنوات، ولم أسمع به من قبل، ولا حتى صادفت مقالا نقديا عنه..
الفيلم من بطولة أمير صلاح الدين، كريم قاسم، ميس حمدان، رحمة حسن، والراحل الجميل أحمد حلاوة، ويدور حول تيمة النصابين الأذكياء، وهي تيمة استخدمت كثيرا في أفلام عربية وأجنبية.
الفيلم فيه حبكة ذكية وجذابة، ومواقف كوميدية كثيرة، تذكرك بكوميديا الأفلام المصرية التي أنتجت في بداية الألفية، والمعتمدة على ضحك يكشف عن وجع شخصيات الفيلم، بشكل لا يصل لحد الكوميديا السوداء، لكنه يجعلك تضحك وتفكر في آن واحد، وهذا ما نفتقده حاليا في غالبية الأعمال الكوميدية، بعد تربع على العرش بعض الفنانين من محترفي حلب الإفيهات، حتى لو تم ذلك باستخدام الألفاظ البذيئة، وبعض العبارات السوقية.
على مستوى التمثيل كان فريق الفيلم جيدا، والإخراج متميز دون تعمد الفزلكة، أو السعي لإيهام المشاهد بالعمق! لكن الفيلم للأسف سقط سقوطا مدويا في دور السينما، حيث تم عرضه وفقا للمعلومات المتاحة لمدة أسابيع محدودة وحقق إيرادات ضعيفة، ربما لا تغطي تكلفته، رغم أن انتاج الفيلم كان بسيطا ولا يحرق أموالا في مشاهد مصطنعة لمجرد تحقيق الإبهار البصري المزيف!
لو قارنا سمكة وصنارة كفيلم مع العديد من الأفلام التي شاهدناها مؤخرا، سوف تكون المقارنة لصالح هذا الفيلم المظلوم، بشرط أن نستبعد من المعادلة عنصر الميزانيات الضخة وإسناد البطولة لنجم يتقاضى أجرا بالملايين!
ومن هنا نتيقن من أن السينما المصرية مازالت تتعامل بقسوة غريبة مع الأفلام التى تحاول كسر القواعد التجارية المتعارف عليها، ومن أهمها إسناد البطولة لنجم شباك حتى لو كان محدود الموهبة، وانفاق ملايين الجنيهات على عناصر إبهار، يعلم الجميع أنها لا تمثل قيمة مضافة حقيقية للفيلم كعمل فني.
وقد اعتمد فيلم سمكة وصنارة على الإنتاج الجيد دون بذخ فارغ، وأسند البطولة لمجموعة من الفنانين ذوي الموهبة الحقيقية، لكنهم للأسف ليسوا من نجوم الشباك في مصر، ولعل من أبرزهم الفنانة رحمة حسن، التي تتمتع بموهبة حقيقية، وملامح هادئة، لكنها اختفت منذ سنوات..
ويبدو أن المنتجين قد انصرفوا عنها لسبب ما، وتوقفوا عن ترشيحها لأعمال جديدة، رغم أنها للأمانة تمتلك حضورا وموهبة تلقائية أفضل بكثير من بعض نجمات نفخ الشفاة اللاتي يتم فرضهن علينا في عشرات الأعمال كل سنة!
جمهور السينما في مصر في غاية القسوة، فقد وضع دون اتفاق عدة معايير، والويل كل الويل لمن يفكر في تجاوز تلك المعايير التي ليس من بينها قيمة العمل الفنية.
والمؤلم فيما حدث لفيلم سمكة وصنارة، أن فشله التجاري كان فيما يبدو سببا لتوقف مؤلفه ومخرجه عن العمل، ربما كان التوقف اختيارا منهم بسبب الإحباط، وربما -وهذا هو الأقرب- كان التوقف قرارا من صناع السينما الذين لا يأمنون لكاتب أو مخرج قدم عملا لم يصادفه النجاح، حتى لو كان ذلك بسبب عوامل السوق والمنافسة أو حتى سوء الحظ!
أيا كانت الأسباب، فإن الثابت وفقا للبحث أن محمد كرار مؤلف سمكة وصنارة لا توجد أعمال فنية منسوبة له كمؤلف منذ 2017 وحتى الآن، ونفس الأمر ينطبق على المخرج طارق عبدالمعطي الذي لم أجد عملا واحدا يحمل توقيعه خلال نفس الفترة.
ويبدو لي أن سمكة وصنارة ينضم لقائمة الأفلام التي قتلت أصحابها، رغم موهبتهم الواضحة، ورغم أن الفيلم نفسه فيلم جيد بمقاييس الأفلام الكوميدية الخفيفة، وليس بمقاييس موظفي الشباك الذين لا يهتمون بالفيلم لانشغالهم بحصر أعداد التذاكر المباعة وإضافة ثمنها لحساب المنتج!

تعليقات