يكشف كتاب شاهد خبير للبروفيسورة دام سو بلاك، إحدى أبرز عالمات الطب الشرعي في العالم، عن الجانب المثير والمعقد من علوم الأدلة الجنائية، من خلال مجموعة من القضايا الحقيقية والوقائع التي توضح كيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن يقلب مسار التحقيق ويكشف الحقيقة.
ومن أبرز القصص التي يستعرضها الكتاب قضية مقتل ماري لاتيل خنقاً في مدينة ليون الفرنسية عام 1912، فقد انحصرت الشبهات في صديقها إميل جوربان، لكنه بدا في البداية بعيدًا عن دائرة الاتهام، بعدما أكد أصدقاؤه أنه كان يلعب الورق معهم وقت وقوع الجريمة.
غير أن عالم الطب الشرعي الفرنسي إدموند لوكار، الذي يعد من رواد علم الأدلة الجنائية، لم يكتفي بحجة الغياب، فقد فحص ما عثر عليه تحت أظافر جوربان، فاكتشف آثار مواد كيميائية، من بينها البزموت وستيرات المغنيسيوم وأكسيد الزنك وأكسيد الحديد، وهي مكونات تدخل في مستحضرات التجميل.
وعندما قورنت هذه المواد بمستحضرات التجميل التي كانت تصنع خصيصاُ للضحية، تأكد التطابق، وسرعان ما انهارت رواية جوربان، الذي اعترف بالجريمة بعدما تبين أنه تلاعب بالوقت، إذ قدم ساعة الغرفة إلى الأمام، ثم جعل أصدقاءه يشربون بكثرة، حتى تأتي شهاداتهم المتأثرة بالوقت في صالح حجة غيابه.
من مسارح الجرائم إلى كوارث العالم
وتستند دام سو بلاك في كتابها إلى خبرة طويلة في عالم الطب الشرعي والتشريح، فقد شاركت خلال مسيرتها في التحقيق في جرائم الحرب في كوسوفو، كما ساهمت في التعرف على جثث ضحايا تسونامي المحيط الهندي عام 2004.
لكن اللافت في شخصية بلاك ليس خبرتها العلمية فحسب، بل الطريقة التي تتعامل بها مع دورها كشاهد خبير أمام القضاء، فهي، على عكس بعض الخبراء الذين قد يتحدثون بثقة مطلقة، تؤمن بأن العلم لا يمنح دائماً إجابات يقينية بنسبة 100%.
ولهذا كانت تحرص على أن تكون شهادتها دقيقة ومتوازنة، بل كانت تخلع حذاءها قبل الإدلاء بشهادتها في المحكمة وتوجه قدميها نحو هيئة المحلفين، حتى تتحدث إليهم مباشرة، بدلاً من توجيه حديثها إلى المحامين أو القاضي.
عندما يتحول الغرور إلى مشكلة
ويضع الكتاب هذا التواضع في مقابل شخصية السير برنارد سبيلسبري، الذي كان أشهر طبيب شرعي بريطاني في بدايات القرن العشرين، لكنه عرف أيضا بثقته المفرطة بنفسه، ويرى الكتاب أن هذه الثقة المطلقة ربما أسهمت في بعض الأخطاء القضائية، خصوصاً أن شهادات الخبراء قد يكون لها تأثير حاسم في إقناع المحاكم بإدانة المتهمين.
تفاصيل صغيرة تكشف جرائم كبيرة
لا يعتمد الكتاب فقط على القضايا الشهيرة، بل يضم عشرات التفاصيل والقصص الغريبة التي تكشف مدى أهمية الملاحظة الدقيقة في التحقيقات الجنائية، من بينها قصة لص حاول إخفاء تقوس ساقيه بارتداء بنطالين فوق بعضهما، في محاولة لم تنجح في خداع المحققين.
كما يتوقف الكتاب عند قضية كولين بيتشفورك، المغتصب والقاتل من ليسيسترشاير، الذي أصبح من أوائل المجرمين الذين أُدينوا اعتمادا على أدلة الحمض النووي، وكان بيتشفورك قد حاول في البداية التحايل على الشرطة، فدفع لرجل آخر كي يقدم عينة دم بدلًا منه، إلا أن الخطة انهارت بطريقة غير متوقعة عندما أخبر الرجل أحد زملائه في العمل بالخدعة، لتصل المعلومة في النهاية إلى الشرطة.
أسرار الجسد والدم والسموم
ولا يخلو الكتاب من معلومات علمية لافتة، إذ يشرح، على سبيل المثال، أن الزرنيخ كان من السموم الشائعة خلال القرن التاسع عشر، حتى عرف باسم «مسحوق الميراث»، بسبب ارتباطه بجرائم قتل ترتكب طمعا في الميراث.
كما يتناول بعض الحقائق المتعلقة بجسم الإنسان، مثل اختلاف عدد الشعرات بين ألوان الشعر، والفروق في متوسط عدد الندوب الموجودة على أيدي الرجال والنساء.
وتشير بلاك كذلك إلى أن الدم لا ينتشر بالضرورة منذ الضربة الأولى، وهي ملاحظة قد تبدو بسيطة، لكنها يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة عند إعادة بناء ما حدث في مسرح الجريمة.
العلم لا يعرف دائما كل الإجابات
أهم ما يميز الكتاب ربما هو أن سو بلاك لا تقدم الطب الشرعي باعتباره علما قادرا على حل كل لغز بصورة قاطعة، بل تذكر القارئ دائما بأن هناك مساحة للشك والتفسير.
وهذا ما يجعلها، بحسب العرض، خبيرة مختلفة عن أولئك الذين يتعاملون مع استنتاجاتهم باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش، فهي تدرك أن المبالغة في الثقة قد تكون خطيرة عندما يتعلق الأمر بحياة إنسان وحريته.
وتكشف إحدى المواقف الطريفة عن هذه الروح المرحة التي تتمتع بها بلاك، ففي إحدى القضايا، قالت إن الأدوات التي يمكن أن تكون قد استُخدمت في تقطيع جثة يمكن العثور عليها في معظم المطابخ، وأضافت: “بما في ذلك مطبخي”، فجاءها رد محامي الدفاع ساخراً: “ذكريني ألا أقبل دعوة لتناول العشاء في منزلك”
وبين الجرائم الغامضة، والأدلة الدقيقة، وأخطاء الخبراء، والطرائف المرتبطة بالمحاكم، يقدم “شاهد خبير” صورة مختلفة لعالم الطب الشرعي؛ عالم لا يعتمد فقط على التقنيات الحديثة والحمض النووى، بل على الملاحظة الدقيقة، وفهم جسم الإنسان، وربط التفاصيل الصغيرة ببعضها، والأهم من ذلك كله، معرفة حدود ما يستطيع العلم إثباته.


تعليقات