بعد مرور ربع قرن على مطلع القرن الحادي والعشرين، لا يزال المشهد في الشرق الأوسط يطرح سؤالًا جوهريًا لم يجد إجابته بعد: هل كانت التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة من حروب وثورات وصراع، كان خطوة نحو الحرية وطريق السلام، أم أنها أعادت إنتاج الأزمات بصيغ أكثر تعقيدًا؟ والطريق مجهول لا نعرف ماذا ينتظرنا في نهايته؟
إن الحرية ليست ترفًا، ولا مطلبًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي العطاء الحقيقي للنفوس التي تريد أن تحتفظ بكرامتها وكيانها الإنساني. فما إن تخرج الأمور عن طور الروح والإنسانية، حتى يبدأ الشقاء الأبدي، ذلك الشقاء الذي يفوق عذاب الجسد أضعافًا مضاعفة إن الحرية أرفع من كل المطالب؛ لأنها الشرط الأول لكي يعيش الإنسان إنسانًا. وليست بديلًا يمكن تعويضه، ولا أمرًا ثانويًا كما يظن أولئك الذين يقبلون الحياة بأي صورة، وتحت أي وضع، ولو كانت حياة بلا روح ولا كرامة.
خلال هذه السنوات الماضية وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي، تبدلت الشعارات وتغيرت الوجوه، لكن البنية العامة للواقع لم تتغير, ظلت تميل إلى الاستمرار في دائرة من التوترات السياسية والصراعات الممتدة، التي لم تترك مجالًا للاستقرار الطويل أو البناء الهادئ. فقد تعاقبت الحروب، وتعددت أشكال الاحتجاجات، وتداخلت الطموحات الشعبية مع حسابات السلطة، دون أن تبدو في كثير من الأحيان, إلى طريق واضح ومستقر.
تبدو الشعوب الآن في حالة بحث دائم عن معنى الحرية، ومعنى العدالة الاجتماعية، ومعنى الحياة السياسية, التي لا تُختزل في الصراع أو الانقسام. غير أن هذا البحث غالبًا ما يصطدم بواقع مبهم أكثر تعقيدا ، حيث تتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية، وتتشابك المصالح المحلية, مع الازمات الخارجية المتلاحقة، لتنتج حالة ليس لها ملامح واضحة ولا منهج محدد.
فقد تحولت الأزمات إلى نمط حياة. فالأجيال التي نشأت في ظل هذا الواقع لم تعرف استقرارًا، بل عاشت بين موجات متكررة من التوتر والانفراج المؤقت، ما جعلها تشعر بأنها تدور في متاهة, وبرزت حالة من الإرهاق الجمعي؛ والإرهاق سياسي والاجتماعي والنفسي، جعل كثيرًا من الأفراد ينظرون إلى المستقبل لا بوصفه مساحة للتوقع، بل كامتداد غير واضح للحاضر. ومع ازدياد هذا الشعور، أمام متطلبات الحياة اليومية، يتحول النقاش العام من سؤال كيف نبني المستقبل؟ إلى سؤال كيف ننجو من الحاضر؟
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا المشهد بصورة متشائمة, يكتنفها اليأس والاحياط, ولكن يمكن اعتبارها لحظة تاريخية معلقة بين مسارين نعمل على معالجتهما: مسار يعيد إنتاج الأزمات، ومسار آخر لم تتضح معالمه بعد، لكنه يظل قائمًا كاحتمال.
إن ما يحتاجه الواقع اليوم ليس المزيد من الشعارات والهتافات، بل إعادة تفكير في البنية العميقة للأزمات: في معنى الدولة، وفي علاقة المواطن بالسلطة، وفي مفهوم الحرية ذاته، وكيف يتحقق بمعناه وشروطه؟ متى ينتهي هذا الاضطراب الذي يجثو فوق رقابنا ويحيط بنا ويؤثر على مستقبلنا؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا الاضطراب نفسه إلى بداية وعي جديد، لا يعيد إنتاج ما مضى، بل يتجاوزه نحو صيغة أكثر استقرارًا وإنسانية؟


تعليقات