كلما وقعت عيني على الطبيعة، شدّني ذلك الجمال الكامن فيها؛ حياةٌ تتدفق في صمت، الفيافي التي قطعتُها، والرمال الصفراء كأنها ذهبٌ ممتد، وصوت أقدام الإبل والخيل وهي تشق طريقها نحو المجهول.
في الليل، حين تشتد الرياح، يفزع القلب من هولها، وفي الليالي المقمرة، ينسكب الضوء على اتساع الصحراء، فيبدّد الخوف، ويمنحها هيبةً وسكونًا, كنا نشعل النار بعد العشاء، نلتف حولها، نتبادل الحكايا والضحكات، نروي التاريخ والنوادر، فنقتل الخوف بالكلمات, الخوف من اللصوص وقطاع الطرق، من غدر الطريق، لكنه خوفٌ لا يوقف الحياة. كنا نتماسك، يدًا واحدة، ونمضي.
الترحال كان شهوةً أقوى من الرهبة, قافلةٌ من الإبل، يحيط بها الفرسان، تحمل بضائع من كل مكان، ووجوهًا من كل لون؛ عالمٌ صغير يسير في قلب عالمٍ أكبر. لكلٍّ مكانه، ولكلٍّ دوره.
وحين يهدأ الليل، ينام الجميع، ويبقى الحراس, فالإنسان يحتاج أن يشعر أنه ليس وحده، أن هناك من يشاركه الخوف، فيخفّ وطأته, نهار الصحراء لظى، وليله قلق, نقتصد في الماء، ونتحسب لكل طارئ، نمضي بين عنف الطبيعة ووحشتها. لكنني كنت أرى غير ما يرون.
كنت أرى في الصحراء سحرًا لا يُفسَّر. جمالًا في النهار، وهيبةً في الليل، وسكونًا يوقظ الفكر, رمالٌ تعكس نور القمر، ونباتات تقاوم العطش بإصرار، وهواءٌ ليليّ يملأ الصدر كأنه يزرع في داخله بساتين خفية.
كان ذلك كله يملؤني شوقًا لشيءٍ لا أستطيع بلوغه، لكنه يكبر في داخلي، كأن النور نفسه يتسلل إلى القلب، فيضيء أركانه وكنت أتعجب كل هذا الجمال… ونمرّ به غافلين. الصحراء لا تتكرر، كل رحلةٍ فيها بدايةٌ جديدة، كما يتجدد الإيمان في القلوب, وفي كل بلدٍ أنزل بها، أكتشف أن الإنسان عالمٌ لا ينتهي وجوه مختلفة، أفكار متباينة، أرواح تتباعد وتقترب حتى الأشياء الجامدة، البيوت، الأصوات، الألحان… لكل مكان نكهته التي تميّزه.
والآن أقف على عتبة أرضٍ جديدة أجلس في زاوية، أفترش الأرض، أخرج من خرجي طعامًا يسيرًا يقيم أود الجسد ثيابي رثة، وهيئتي تدفع الناس إلى ازدرائ فهم يرون المظهر، ولا يلتفتون إلى ما وراءه يحكمون على الجسد، ولا ينصتون إلى الروح ينسون أن هذا الجسد مصيره حفرة، وأن الدود كفيلٌ بأن يسوّي بين الجميع ينطفئ النبض، ويخبو النور، ويصير الجسد… لا شيء.
أما أنا، فأعرف أن الجوع الحقيقي ليس جوع الجسد سنوات الشبع لا تغنيه، لكن لقيماتٍ قليلة تكفيه ليواصل السير, أما الروح فلها جوعٌ آخر, جوعٌ لا يُسدّ بطعام، ولا يُروى بماء, ففي أي أرضٍ، وفي أي زاويةٍ من هذا العالم، أجد ما يقيم أودها؟


تعليقات