ثورة البراق 1929.. كيف تحولت أزمة الحائط إلى مواجهة كبرى فى فلسطين؟

ثورة البراق 1929.. كيف تحولت أزمة الحائط إلى مواجهة كبرى فى فلسطين؟

في أغسطس 1929، تحولت أزمة مرتبطة بحائط البراق في القدس إلى واحدة من أبرز المواجهات في تاريخ فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، فيما عُرفت الأحداث باسم «ثورة البراق». ولم تكن المواجهة وليدة يوم واحد، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية ودينية مرتبطة بالهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، ومحاولات تغيير الوضع القائم عند حائط البراق، إلى جانب تصاعد المخاوف الفلسطينية من المشروع الصهيوني في ظل الانتداب البريطاني.

من أين بدأت الأزمة؟

ترجع جذور الأزمة إلى سبتمبر 1928، عندما وضع مصلون يهود مقاعد وأدوات مرتبطة بطقوسهم بالقرب من حائط البراق خلال يوم الغفران.

اعتبر المسلمون هذه الخطوة تجاوزًا للوضع القائم الذي كان معمولًا به خلال العهد العثماني، خصوصًا مع وجود مخاوف فلسطينية من أن تكون الإجراءات المتعلقة بالحائط مقدمة لتغيير طبيعة المكان أو فرض واقع جديد حوله.

وتدخلت الشرطة البريطانية لإزالة المقاعد والأدوات، ما أدى إلى احتكاك بينها وبين المصلين اليهود، ثم تصاعدت الاحتجاجات اليهودية خلال الأسابيع التالية.

وفي 3 أكتوبر 1928، قدم عدد من وجهاء المسلمين مذكرة إلى سلطات الانتداب طالبوا فيها بالحفاظ على الحقوق التي كانت قائمة في العهد العثماني.

مؤتمر القدس وتحرك المسلمين

تصاعدت المخاوف الفلسطينية خلال الأشهر التالية، وفي 1 نوفمبر 1928 عقد المجلس الإسلامي الأعلى، برئاسة الحاج أمين الحسيني، مؤتمرًا في القدس شارك فيه نحو 800 شخصية إسلامية من فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن.

ودعا المؤتمر إلى التحرك لدى الحكومة البريطانية وعصبة الأمم للحفاظ على الأماكن الإسلامية المقدسة، كما جرى تشكيل جمعية لحراسة المسجد الأقصى والمواقع الإسلامية المقدسة.

وفي المقابل، أصدرت الحكومة البريطانية في نوفمبر 1928 ما عُرف بـ**«الكتاب الأبيض»**، وأقرت فيه بأن بعض التصرفات التي وقعت عند حائط البراق تمثل إخلالًا بالوضع القائم، وأكدت نيتها الحفاظ عليه.

لكن الأزمة لم تنتهِ.

أغسطس 1929.. الشرارة تتحول إلى انفجار

في 14 أغسطس 1929، نظم يهود مظاهرة عند حائط البراق، ثم خرجت مظاهرات أكبر في القدس في اليوم التالي.

ومع تصاعد الهتافات والشعارات المتبادلة، تحولت قضية الحائط إلى مواجهة مفتوحة.

وفي 16 أغسطس، توافد المسلمون إلى المنطقة، وتزامن ذلك مع يوم الجمعة وذكرى المولد النبوي، لتنتقل الاشتباكات من القدس إلى مناطق أخرى من فلسطين.

وخلال الأيام التالية وقعت مواجهات في القدس والخليل وصفد ويافا وغيرها من المدن والمناطق.

ولم تعد القضية مجرد خلاف حول مكان ديني، وإنما تحولت إلى مواجهة سياسية واجتماعية أوسع بين قطاعات من الفلسطينيين من جهة، والحركة الصهيونية وسلطات الانتداب من جهة أخرى.

حصيلة دامية

بحسب الأرقام الواردة في المصادر التي تناولت الأحداث، أسفرت المواجهات عن مقتل 133 يهوديًا وإصابة 339، بينما قُتل 116 فلسطينيًا وعربيًا وأصيب 232 آخرون.

كما شنت سلطات الانتداب حملة اعتقالات ومحاكمات واسعة، ومثُل أكثر من ألف عربي وفلسطيني أمام المحاكم، وصدر بحق عدد منهم أحكام بالإعدام.

وفي النهاية أيدت سلطات الانتداب أحكام الإعدام بحق فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ونُفذ الحكم في سجن عكا يوم 17 يونيو 1930.

وأصبح اليوم الذي أُعدموا فيه معروفًا في الذاكرة الفلسطينية باسم «الثلاثاء الأحمر».

بريطانيا تحاول إغلاق الملف

لم تكتفِ سلطات الانتداب بالقمع والمحاكمات، بل أصدرت في أكتوبر 1929 مرسومًا عُرف باسم قانون العقوبات (جرائم إثارة الفتنة)، وجرّم عددًا من الأفعال التي اعتبرتها السلطات تهديدًا لحكم الانتداب، من بينها التحريض على الحرب أو التمرد، وحيازة السلاح أو التدريب عليه دون ترخيص، والمشاركة في التجمعات غير القانونية وأعمال الشغب.

لكن بريطانيا كانت تدرك أن ما حدث لم يكن مجرد اضطراب أمني عابر، ولذلك بدأت سلسلة من التحقيقات لدراسة جذور الأزمة.

لجنة شو.. الهجرة والاستيطان في قلب الأزمة

في مارس 1930، نشرت لجنة شو تقريرها بشأن أحداث البراق.

وأشارت اللجنة إلى أن وراء الاضطرابات عوامل تتجاوز الخلاف حول الحائط، وفي مقدمتها الهجرة اليهودية وشراء الأراضي، إضافة إلى المخاوف العربية من فقدان مصادر المعيشة ومن احتمال تحول اليهود إلى قوة سياسية مهيمنة مستقبلًا نتيجة استمرار الهجرة وشراء الأراضي.

وهذه النقطة كانت مهمة؛ لأنها أظهرت أن أحداث 1929 لم تكن منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي كانت تشهدها فلسطين في ظل الانتداب.

لمن تعود ملكية حائط البراق؟

بعد الأحداث، قررت عصبة الأمم تشكيل لجنة للنظر في حقوق المسلمين واليهود في حائط البراق.

وفي ديسمبر 1930، خلصت اللجنة إلى أن ملكية الحائط تعود إلى المسلمين، وأنه جزء من ساحة الحرم الشريف التابعة للوقف الإسلامي.

وفي الوقت نفسه، أقرت اللجنة لليهود بحق الوصول إلى الحائط وإقامة صلواتهم وفق شروط محددة، وهو ما اعتبر تثبيتًا للوضع الذي كان قائمًا خلال العهد العثماني.