خالد ميري يكتب: العودة إلى الجذور

خالد ميري يكتب: العودة إلى الجذور

وسط حياة سريعة النبضات والحركات وقاسية لا تعرف راحة أو رحمة، يجد غالبية الناس راحتهم في العودة إلى جذورهم الأولى.. إلى حيث كان الميلاد ويوجد الأهل.. هناك نستنشق هواء المحبة خالياً من الدنيا وما فيها ونسترجع قدرتنا على المواصلة في رحلة الحياة.

في عز الحر الخانق الذي يحيط بنا ورغم أن الصعيد أكثر حرارة من القاهرة، وفي الوقت الذي يتسابق فيه البشر للتوجه صوب الساحل طيبه وشريره، في هذا الوقت جرفني الحنين إلى جذوري الأولى، هناك في ملوي بالمنيا، حيث والدتي نبض الحياة ورونقها، وحيث الأهل والمحبة الخالصة لوجه الله، هناك رغم الحرارة نستنشق الحنين ورغم الرطوبة تتسرب العواطف والراحة إلى الأطراف، وتصل سريعاً إلى مركزها في العقل لتمنحه راحة يستحقها من عناء التفكير، وإجازة يحتاجها من مطالب الحياة ومصاعبها.

نعم العودة إلى الجذور لا تشبه أي إجازة أخرى، فإذا كنا نجد على شاطئ البحر هواء منعشاً وأصوات أمواج تعانق الحياة، ففي البلد نجد محبة تتغلغل داخل العظام وتستقر في القلب والعقل معاً، نحتاج لشحنات إيجابية تمنحنا قدرة على المقاومة والمواصلة في حياة لا تتوقف معاركها أبداً، ولا راحة فيها.. فكيف السبيل إلى الراحة في دار الشقاء والعناء، السنوات تمر سريعاً والعمر يحضر كقطار لا يتوقف في محطات.. لكننا هنا حيث الجذور نلتقط أنفاسنا بطيئة ونتوقف بشريط الحياة قليلاً، تختلط ذكريات الطفولة والبراءة الأولى بمعارك الحياة ومتاهاتها، المشوار الطويل بكل انكساراته وانتصاراته بكل أفراحه وأحزانه يمر أمام عيوننا.. نلتقط منه الحكمة ونتعلم منه الأسباب ونستلهم منه القدرة على المقاومة والمواصلة.

في عصرنا الحديث تمر الحياة كمعركة لا تتوقف وصراع سرمدي ليس له محطات، نصطدم بحقيقة أن الصراعات أحياناً تكون بلا هدف ولا غاية، وأن الشجارات أحياناً تكون لأسباب مضحكة.. قسوة الحياة الحديثة وسرعتها تمنعنا من مراجعة أهدافنا واختيار حتى أبسط تحركاتنا، لهذا تكون العودة للجذور دوماً مفيدة ومهمة وملهمة، لأنها تمنحنا طاقة جديدة وقدرة على استنشاق هواء نقي، ومراجعة خياراتنا واختياراتنا، والتخلي عما لا يفيد والتمسك بالجميل وما تربينا عليه، الروح تعود لقواعدها سالمة تتذكر ما تربت عليه وما غرسه الأب الراحل والأجداد من قيم ومبادئ.. قيم القرية الصغيرة والصعيد الصوفي المغرق في العبودية لرب العباد، والرأس الذي يجب أن يظل مرفوعاً عالياً مهما كانت الصعوبات.

نصيحتي للجميع.. هدنة لالتقاط الأنفاس ومراجعة الخطوات والاختيارات، إجازة قصيرة في قرانا الجميلة بالصعيد أو الوجه البحري لا تتعارض مع إجازة المصايف وهواء الشواطئ.. هناك عندما نمسك ببداياتنا الأولى ونتذكر ما كان وكيف تربينا وأي قيم وعادات تعلمنا، هناك ستجد المدد لمواصلة السيرة والمسيرة، سنرفع رؤوسنا عالياً ونحن نواجه الحياة بكل مطالبها وقسوتها، ولن نتخلي عن قيمنا حتى لو تخلى عنها الجميع.

لنعد إلى الجذور ولو قليلاً.. استراحة نحتاجها جميعاً وستمنحنا طاقة كافية لمواجهة الدنيا، ستمنحنا ابتسامة حقيقية تنتصر على كل أحزان الدنيا وهمومها.

•• الطيب والشرير:

في دنيا السوشيال ميديا التي تنشر أكاذيب أكثر من الحقائق، والتي تزرع الفتن ما كبر منها وما صغر، في هذا العالم أصبح الحديث واقعاً عن ساحل طيب وساحل شرير، حديث هدفه ترسيخ الطبقية والتأكيد عليها والبحث عن أسباب للصراع داخل مجتمعنا الكبير.

مصر دولة منحها الله شواطئ مترامية بملايين الكيلومترات طولاً وعرضاً، وفي الصيف الحارق يحتاج الجميع لإجازة على البحر لالتقاط الأنفاس، وهناك كان طبيعياً أن يكون المتاح مناسباً للجميع للغني والفقير.. الشواطئ مترامية ومفتوحة ويمكن لمن يملك الملايين أو الآلاف أو حتى المئات أن يجد متنفساً له على البحر الأحمر أو الأبيض، لكننا في زمن السوشيال وفتنته كلما جاء الصيف تجدد الحديث عن الطيب والشرير، أسماء جذابة ومقاطع فيديو براقة وهدفها الوحيد زرع الفتنة وتأكيدها.

لنتوقف قليلاً أمام كل محتوى على السوشيال، ولا نصدق كل ما نراه، ولا نقع فريسة لفتنة تراد بنا، مصر الكبيرة وشعبها العريق أكبر من السقوط في فخاخ الفتنة، وشواطئ مصر الممتدة من العريش لمطروح ومن بورسعيد لحلايب وشلاتين تفتح متنفساً للجميع.