في 15 أغسطس عام 1096، بدأت واحدة من أشهر الحملات الشعبية التي ارتبطت ببدايات الحملات الصليبية على المشرق، وعُرفت باسم «حملة الفقراء» أو «حملة العامة»، وارتبطت في المصادر الغربية بالحملة الصليبية الأولى، وإن كان المؤرخون يختلفون في اعتبارها جزءًا منها أم حملة مستقلة سبقتها.
لم تكن الحملة جيشًا منظمًا تقوده طبقة الأمراء والفرسان، وإنما ضمت أعدادًا كبيرة من الفلاحين والفقراء والعامة، إلى جانب بعض الفرسان ورجال الدين، وجاءت استجابة للدعوة التي أطلقها البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمون عام 1095 للتوجه إلى الأراضي المقدسة.
بطرس الناسك.. الرجل الذي حشد العامة
ارتبطت الحملة بصورة خاصة بالراهب بطرس الناسك، الذي تحول إلى أحد أبرز الدعاة للحملة في أوروبا.
وتروي المصادر أن بطرس جاب مناطق من فرنسا داعيًا الناس إلى المشاركة في الحملة، وتمكن من جذب أعداد كبيرة من الفلاحين والعامة، مستفيدًا من خطبه وتأثيره الديني، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالحملة الشعبية التي سبقت وصول الجيوش الإقطاعية الكبرى إلى الشرق.
ولم ينتظر جميع المشاركين الموعد المحدد لخروج الحملة، إذ بدأت مجموعات منهم في التحرك مبكرًا، وكان من أبرز قادتهم والتر المفلس، الذي تحرك برجاله باتجاه الشرق، قبل أن يلحق بهم بطرس الناسك وجماعته.
رحلة بدأت بالفقر وانتهت بالفوضى
كان الفارق الأساسي بين هذه الحملة والحملات التي قادها الأمراء والفرسان أن غالبية المشاركين فيها لم يمتلكوا التدريب العسكري أو التسليح الكافي.
فقد خرج كثير منهم بما توفر لديهم من العصي والسكاكين والأسلحة البسيطة، واصطحب بعضهم أسرته وأطفاله، وهو ما جعل الحملة أقرب إلى هجرة جماعية دينية منها إلى جيش منظم.
ومع تحرك الجموع نحو الشرق، وقعت اعتداءات واضطرابات في عدد من المناطق التي مرت بها، كما ارتبطت مجموعات من المشاركين بمذابح استهدفت جماعات يهودية في مدن وبلدات على نهر الراين، في واحدة من أكثر الصفحات دموية المرتبطة ببدايات الحملات الصليبية.
مجازر ضد يهود أوروبا
ولم تقتصر أعمال العنف على الطريق نحو الشرق، إذ شهد عام 1096 موجة من الاعتداءات والمذابح ضد الجماعات اليهودية في مناطق من ألمانيا وفرنسا.
وقاد بعض هذه الاعتداءات متطرفون من المشاركين في الحملات الشعبية، ووقعت مذابح في عدد من مدن الراين، بينما حاولت سلطات محلية في بعض المناطق حماية اليهود.
وهكذا تحولت الدعوة التي بدأت باعتبارها حملة دينية نحو القدس إلى موجة من العنف طالت حتى جماعات لم تكن طرفًا في الصراع العسكري مع المسلمين.
المجر.. أول كارثة كبرى
ومع تقدم مجموعات الحملة نحو الأراضي البيزنطية، بدأت المشكلات تتفاقم.
فقد دخل الصليبيون أراضي المجر، ووقعت بينهم وبين السكان والسلطات المحلية مواجهات نتيجة أعمال النهب والعنف، الأمر الذي دفع الملك المجري كولومان إلى مواجهة تلك المجموعات.
وتعرضت أعداد كبيرة منهم للقتل، بينما تفرقت مجموعات أخرى، وهو ما كشف مبكرًا عن ضعف التنظيم العسكري للحملة الشعبية.
الوصول إلى القسطنطينية
في الوقت نفسه، تمكن بطرس الناسك ومجموعته من الوصول إلى القسطنطينية، حيث استقبلهم الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنين.
لكن وجود هذه الأعداد الكبيرة وغير المنضبطة داخل الأراضي البيزنطية تحول سريعًا إلى مشكلة، خصوصًا مع وقوع اعتداءات على القرى والمناطق المحيطة بالعاصمة.
ولذلك سارع الإمبراطور البيزنطي إلى نقلهم عبر مضيق البوسفور إلى الجانب الآسيوي، تمهيدًا لمواصلة طريقهم باتجاه الأراضي التي يسيطر عليها السلاجقة.
النهاية عند السلاجقة
في آسيا الصغرى اصطدمت الجموع الصليبية بقوات السلطان السلجوقي قلج أرسلان الأول.
وكانت المواجهة غير متكافئة؛ فالصليبيون الشعبيون افتقروا إلى التنظيم والتدريب والخبرة العسكرية، بينما امتلكت القوات السلجوقية قدرة أكبر على المناورة والقتال.
وانتهت المواجهة بكارثة بالنسبة إلى الحملة، إذ قُتل عدد كبير من المشاركين، بينما وقع آخرون في الأسر، وتمكن بعضهم من الفرار.
وبذلك انتهت حملة الفقراء قبل أن تصل إلى القدس، بعد أن تحولت الرحلة التي بدأت بشعار ديني إلى سلسلة من المذابح والاضطرابات والهزائم.
هل كانت حملة الفقراء هي الحملة الصليبية الأولى؟
هنا توجد نقطة تاريخية مهمة.
يطلق بعض المؤرخين على حملة الفقراء اسم «الحملة الصليبية الشعبية» ويعتبرونها المرحلة الأولى من الحملة الصليبية الأولى، بينما يميز آخرون بينها وبين الحملة التي قادها الأمراء والفرسان، والتي بدأت لاحقًا ووصلت إلى الشرق بقوات أكثر تنظيمًا.
لكن المؤكد أن حملة الفقراء كانت تمهيدًا مباشرًا للمناخ الذي أفرز الحملة الصليبية الأولى، وأن فشلها لم يوقف المشروع الصليبي، إذ تبعتها بعد أشهر جيوش الأمراء والفرسان الأوروبيين التي تمكنت في النهاية من الوصول إلى بلاد الشام والاستيلاء على القدس سنة 1099.


تعليقات