فى ذكرى ميلاد الطاهر وطار.. روائى جزائرى جعل الأدب ساحة للمواجهة

فى ذكرى ميلاد الطاهر وطار.. روائى جزائرى جعل الأدب ساحة للمواجهة

تحل اليوم ذكرى ميلاد الكاتب والروائي الجزائري الطاهر وطار، المولود عام 1936، والذي يعد واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية الجزائرية التي اتسمت تجربتها بالتمرد على السائد، والانشغال بقضايا الثورة والسلطة والمثقف والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر.

لم يكن وطار ينظر إلى الأدب باعتباره مساحة منفصلة عن الواقع، بل جعله مجالًا لمناقشة الأسئلة السياسية والفكرية الكبرى، وهو ما ظهر بوضوح في عدد من أعماله التي أثارت جدلًا واسعًا، سواء بسبب موقفها من الثورة الجزائرية أو من السلطة أو من التيارات السياسية والفكرية المختلفة.

«اللاز».. قراءة متمردة للثورة الجزائرية

تجسد هذا التوجه بوضوح في روايته الشهيرة «اللاز» التي صدرت عام 1974، والتي قدم من خلالها قراءة نقدية للثورة الجزائرية من الداخل، متوقفًا عند الصراعات التي صاحبتها، كما تناول مسألة اغتيال المثقفين، ولا سيما المنتمين إلى التيار اليساري.

ولم تكن «اللاز» مجرد رواية عن الثورة، وإنما محاولة لإعادة النظر في بعض جوانب التجربة الثورية، من خلال شخصيات وصراعات تكشف تعقيدات المجتمع الجزائري في تلك المرحلة.

«الزلزال».. الأدب في مواجهة الإقطاع

وفي رواية «الزلزال»، اتجه وطار إلى نقد النزعة الإقطاعية، وانحاز إلى قانون تأميم الأراضي الذي أقره الرئيس الجزائري هواري بومدين.

وهكذا ظل الواقع السياسي والاجتماعي حاضرًا بقوة في مشروعه الأدبي، إذ استخدم الرواية لمناقشة قضايا الملكية والعدالة الاجتماعية والتحولات التي كانت تعيشها الجزائر.

لكن مواقفه لم تكن تسير دائمًا في اتجاه سياسي واحد؛ فقد عارض أيضًا إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1992 بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو موقف أدخله في سجالات فكرية وسياسية واسعة.

جدل حول مواقفه من الإسلاميين

وأثارت بعض مواقفه لاحقًا جدلًا بين المثقفين، إذ اتهمه بعض «المتفرنسين» بمحاباة الجماعات المسلحة والتعاطف مع الإسلام السياسي.

وزاد الجدل عقب اغتيال الروائي الجزائري الطاهر جاووت عام 1993، عندما اعتبر وطار أن اغتياله، باعتباره كاتبًا يكتب بالفرنسية، يمثل خسارة لفرنسا وليس للجزائر، وهو موقف أثار انتقادات واسعة تجاهه.

روايات وقصص ومسرح

ترك الطاهر وطار إرثًا أدبيًا متنوعًا، ترجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية واليونانية.

ومن أبرز رواياته: اللاز، الزلزال، الحوات والقصر، العشق والموت في الزمن الحراشي، عرس بغل، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، كما كتب قصيدة «في التذلل» على فراش المرض، وتناول فيها العلاقة بين المثقف والسلطة.

وفي مجال القصة الطويلة، قدم أعمالًا من بينها «الطعنات» و«الشهداء يعودون هذا الأسبوع» و«دخان من قلبي»، كما كتب للمسرح، ومن أعماله «على الضفة الأخرى» و«الهارب».

أعماله انتقلت من الأدب إلى الشاشة والمسرح

لم تبقِ أعمال وطار حبيسة الكتب، إذ تحولت بعض قصصه إلى أعمال سينمائية ومسرحية.

ومن بينها قصة «قصة نوة» المأخوذة من مجموعته «دخان من قلبي»، والتي تحولت إلى فيلم من إنتاج التلفزيون الجزائري وحصد عددًا من الجوائز.

كما تحولت قصة «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» إلى مسرحية حصلت على الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج الدولي.

جوائز وأوسمة

حصل الطاهر وطار خلال مسيرته على عدد من الجوائز والأوسمة الجزائرية والعربية والدولية، من أبرزها جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية عام 2005، وجائزة اليونسكو للثقافة العربية في العام نفسه، إضافة إلى جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للقصة والرواية عام 2010.

وبقيت تجربة الطاهر وطار مرتبطة بصورة الكاتب الذي لم يفصل الأدب عن أسئلة عصره؛ فالرواية عنده كانت مساحة لمناقشة الثورة والسلطة والمجتمع والهوية، ولذلك ظلت أعماله حاضرة في النقاش حول الأدب الجزائري الحديث، حتى بعد رحيله في 12 أغسطس 2010.