يحتفل المصريون بعيد وفاء النيل يوم 15 أغسطس من كل عام، وهو عيد مصري أصيل يمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة؛ لتقدير نهر النيل وشكره باعتباره شريان الحياة وأساس الحضارة المصرية عبر العصور، ولم تكن مكانة النيل لدى المصري القديم مجرد ارتباط بمصدر للمياه، وإنما تجاوزت ذلك إلى علاقة روحية ووجدانية عميقة، انعكست في الأدب والنصوص الدينية والنقوش والبرديات، التي صورت النهر باعتباره سرًا من أسرار استمرار الحياة وسببًا في خصوبة الأرض وازدهار البلاد.
أنشودة النيل بالمتحف المصري بتورينو
يضم المتحف المصري بتورينو قطعة أثرية فعلية تحمل مقتطفًا من «أنشودة النيل»، وهي أوستراكون هيراطيقي مؤرخ إلى عصر الدولة الحديثة، نحو 1292–1077 ق.م، ويذكر المتحف بوضوح أن الأنشودة تمجد النيل باعتباره مصدر الحياة والخصوبة والوفرة، وأنها موجهة إلى حابي، تجسيد فيضان النيل.
بردية أنشودة النيل
كما يضم المتحف البريطاني بردية «أنشودة النيل» Papyrus Chester Beatty V من العصر الرَمَسِي، وتحتوي على نص أدبي بعنوان Hymn to the Nile، ويشير المتحف إلى أن النص نُشر ودُرس في أعمال متخصصة، ومنها ترجمة ميريام ليختهايم.
كتاب Ancient Egyptian Literature: An Anthology
في فصل بعنوان Hymn to the Nile ضمن كتاب Ancient Egyptian Literature: An Anthology، الصادر عن University of Texas Press، “على عكس الآلهة الكبرى الأخرى في مصر، لم يكن للنيل مدينةٌ خاصة أو مركزُ عبادةٍ مكرَّس، ولم تُقَم له أيُّ معابد تكريماً له. وفي الواقع، لا يتركز محور هذه الترنيمة على النهر في حد ذاته، بقدر ما يتركز على «حعبي» (حابي)؛ الروح أو الطاقة المُؤلَّهة التي تجلَّت في الفيضان السنوي، الذي جلب الخصوبة والوفرة، ولولاه لما كان للحضارة المصرية أن تقوم”.
ويضيف الكتاب “وكما كان سكانها يدركون تمام الإدراك، فقد كانت مصر «هبة النيل»، وصِيغت ترانيم عديدة إجلالاً لإلهه. ويُعتقد أن هذه القطعة الأدبية تعود إلى عصر الدولة الوسطى، وربما كتبها الكاتب «خيتي» خلال الأسرة الثانية عشرة (وهو ليس الملك خيتي صاحب كتاب «تعاليم لمري كارع»). وقد أطلق كَتَبَةُ الدولة الحديثة القدامى على «خيتي» هذا لقب أفضل الكُتّاب المصريين على الإطلاق”.
ترنيمة للنيل
تُعد «أنشودة النيل» من أبرز النصوص الأدبية في مصر القديمة التي تكشف مكانة النيل في وجدان المصريين، لا تقدم الأنشودة النهر باعتباره مجرى مائيًا فحسب، بل تصوره قوةً حيةً ومانحةً للحياة؛ فبفضل مياهه تنبت المحاصيل، وتتوفر المراعي، وتعيش الماشية، ويزدهر المجتمع.
ويرتبط النيل في النص تحديدًا بالفيضان؛ فمجيء مياهه يعني تجدد خصوبة الأرض واستمرار دورة الحياة، بينما يؤدي غيابه إلى الجوع والخراب. لذلك يخاطب المصريون النيل بروح أقرب إلى التقديس والامتنان، ويصورونه باعتباره القوة التي تقف خلف رخاء مصر واستقرارها.
واللافت في الأنشودة أن المصري القديم لا يصف النيل وصفًا جغرافيًا، وإنما يمنحه صفات أقرب إلى صفات الكائن الحي؛ فهو يأتي في موعده، ويمنح الخير، ويغذي الأرض، ويُحدث أثرًا مباشرًا في حياة البشر والحيوان والنبات.


تعليقات