لم ينظر المصري القديم إلى السماء باعتبارها فضاءً غامضًا فحسب، بل تعامل معها باعتبارها نظامًا يمكن رصده وفهمه واستخدامه في تنظيم الحياة. فمن حركة الشمس استمد تقسيم السنة والفصول، ومن ظهور النجوم عرف مرور ساعات الليل، ومن رصد نجم «سوبدت» ــ المعروف اليوم باسم الشعرى اليمانية ــ ارتبط لديه حساب الزمن بعودة فيضان النيل.
ولذلك ارتبط علم الفلك في مصر القديمة بالحياة اليومية والزراعة والطقوس الدينية والعمارة، وترك المصريون وراءهم أدلة على ملاحظاتهم في أسقف المقابر والمعابد والجداول الفلكية. ويعد سقف مقبرة سننموت من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ يضم تمثيلات لمجموعات نجمية وكواكب وتقسيمات للزمن.
الشمس.. مقياس الزمن والحياة
كانت الشمس في قلب التصور الكوني للمصري القديم، وارتبطت بالإله رع ورحلتها اليومية عبر السماء، ثم انتقالها خلال العالم السفلي ليلًا قبل أن تعود مع شروق يوم جديد.
لكن أهمية الشمس لم تكن دينية فقط، فقد اعتمد المصريون على الدورة السنوية للشمس في تنظيم التقويم والحياة الزراعية.
وطور المصريون تقويمًا مدنيًا يتكون من 365 يومًا: 12 شهرًا، في كل منها 30 يومًا، تضاف إليها خمسة أيام في نهاية السنة. وقُسمت السنة إلى ثلاثة مواسم رئيسية: آخت (الفيضان)، وبِرِت (الإنبات أو الخروج)، وشِمو (الحصاد).
وهنا تظهر دقة مهمة: التقويم المصري لم يكن مطابقًا تمامًا للسنة الشمسية التي تبلغ نحو 365.24 يومًا، ولذلك كان يتراجع تدريجيًا بالنسبة إلى الفصول بمرور الزمن، ولم يكن يحتوي في صورته المدنية الأصلية على سنة كبيسة منتظمة.
الشعرى اليمانية.. نجمة تحمل خبر الفيضان
إذا كانت الشمس قد ساعدت المصري القديم على قراءة السنة، فإن نجم الشعرى اليمانية «سوبدت» كان أحد أهم مفاتيح قراءة العام.
كان الظهور الصباحي للنجم بعد فترة اختفائه، والمعروف فلكيًا بـ«الشروق الاحتراقي»، يرتبط في مصر القديمة ببداية دورة سنوية مهمة، وبالوقت الذي كانت تظهر فيه العلامات الأولى للفيضان السنوي للنيل.
وتشير أدلة متحفية إلى أن المصريين ربطوا ظهور «سوبدت» ببداية السنة، حتى إن أحد النصوص القديمة يربطها صراحة بالعام الجديد.
ولذلك لم تكن مراقبة السماء بالنسبة إليهم مجرد فضول علمي؛ فالسماء كانت تقدم إشارات زمنية لها علاقة مباشرة بالزراعة والفيضان واستمرار الحياة.
كيف عرفوا ساعات الليل؟
هنا تظهر واحدة من أكثر جوانب الفلك المصري القديم إثارة للاهتمام.
لم تكن هناك ساعات ميكانيكية كما نعرفها اليوم، لكن المصريين قسموا اليوم والليل إلى 12 ساعة لكل منهما، واستخدموا مجموعات من النجوم عُرفت باسم العشريات أو الديكانات (Decans) للمساعدة في تحديد مرور ساعات الليل.
وتشير الجداول النجمية المصرية القديمة إلى ترتيب مجموعات نجمية كانت تظهر تباعًا، بحيث يمكن استخدامها كنوع من الساعة السماوية.
وقد عُثر على واحدة من أهم الشواهد على هذا النظام في سقف مقبرة سننموت، حيث تظهر قوائم للنجوم والعشريات إلى جانب تقسيمات للساعات وأشهر السنة.
كما أن متحف تورينو المصري يشير إلى أن الجداول النجمية القطرية من أقدم الوثائق الفلكية المصرية، وأنها رتبت مجموعات النجوم بحيث تساعد على متابعة ساعات الليل.
النجوم ليست كلها متشابهة
لم يتعامل المصري القديم مع السماء باعتبارها مجموعة عشوائية من النقاط المضيئة، وإنما وضع لها تصورات وتصنيفات دينية وفلكية.
فبعض النجوم والمجموعات النجمية ظهرت في النصوص والرسوم باعتبارها كيانات سماوية مرتبطة بالآلهة، كما ظهرت الكواكب في التصورات الفلكية المصرية باعتبارها أجرامًا متحركة يمكن رصدها.
وتظهر هذه المعرفة بوضوح في الأسقف الفلكية، التي تجمع بين الرصد الفلكي والتصور الديني؛ فالسماء في المخيلة المصرية لم تكن منفصلة عن عالم الآلهة والإنسان والموت والبعث.
نوت.. السماء التي تحمل العالم
ومن أشهر التصورات المصرية للكون صورة الإلهة نوت، التي جُسدت في هيئة امرأة ممتدة فوق الأرض، بينما يمثل جسدها السماء المرصعة بالنجوم.
وكانت نوت جزءًا من تصور كوني يفسر حركة الشمس والنجوم ودورة الليل والنهار، ولذلك ظهرت صورها في عدد من المقابر والأسقف ذات الموضوعات الفلكية.
وهنا تتضح طبيعة المعرفة المصرية القديمة: لم يكن هناك فصل صارم بين العلم والدين كما نفهمهما اليوم. فالمصري يستطيع أن يراقب النجم بدقة، ويستخدمه لتحديد الوقت، وفي الوقت نفسه يضع له معنى دينيًا داخل تصوره للكون.
من السماء إلى العمارة
ولم تتوقف العلاقة بين المصري القديم والسماء عند تسجيل النجوم أو حساب الوقت، بل انعكست أيضًا على العمارة.
ويقدم معبد رمسيس الثاني في أبو سمبل واحدًا من أشهر الأمثلة على العلاقة بين العمارة والحركة الشمسية؛ ففي يومي 22 فبراير و22 أكتوبر تدخل أشعة الشمس إلى قدس الأقداس وتضيء ثلاثة تماثيل، بينما يبقى تمثال بتاح في الظلام. وتؤكد وزارة السياحة والآثار المصرية أن الظاهرة تحدث مرتين سنويًا.
وهذا لا يعني أن كل ظاهرة ضوئية في المعابد كانت بالضرورة «تقويمًا» بالمعنى الحديث، لكنه يكشف بوضوح عن قدرة المصريين على توجيه العمارة وفق ظواهر فلكية محددة.
الفلك عند المصريين.. علم لخدمة الحياة
يمكن النظر إلى الفلك المصري القديم باعتباره معرفة عملية قبل أن يكون علمًا نظريًا بالمعنى الحديث.
فمن الشمس جاء تنظيم السنة، ومن النيل جاءت الحاجة إلى معرفة مواسم الفيضان، ومن الشعرى اليمانية جاءت علامة سماوية مرتبطة ببداية دورة جديدة، ومن النجوم جاءت وسيلة لقياس ساعات الليل، بينما تحولت المعرفة السماوية إلى جزء من تصميم المقابر والمعابد والطقوس.
ولهذا فإن الإجابة عن سؤال «كيف قرأ المصري القديم السماء؟» لا تكمن في أنه كان يرى فيها الآلهة والنجوم فقط، وإنما في أنه حاول أن يحول السماء إلى تقويم وساعة وخريطة ومرآة لتصوره عن الكون والحياة والموت.


تعليقات