يقف الطفل أمام والديه، تتنقل عيناه بين الأرض ووجهيهما، بينما تحاول يداه إخفاء بقايا إناء مكسورة خلف ظهره، يسأله الأب: «مين كسرها؟»، فيتردد لحظات، ثم يقول بصوت يحمل خوفًا أكثر مما يحمل ثقة: «مش أنا.. القطة هي اللي وقعتها».
في تلك اللحظة، قد لا يرى الأب والأم سوى كذبة واضحة، وقد يتسلل إلى داخلهما شعور بالصدمة والخذلان والخوف على مستقبل طفل يتخيلانه صادقًا ومستقيمًا، لكن التربية الواعية تتطلب منا أن نتوقف قبل إصدار الحكم، وأن نطرح سؤالًا أكثر عمقًا من سؤال: «لماذا كذبت؟»؛ وهو: «ما الذي دفعك إلى الكذب؟».
هذه المسافة الصغيرة بين السؤالين تصنع فارقًا كبيرًا في فهم سلوك الطفل، فالكذب ليس دائمًا المشكلة الأصلية، وقد يكون في بعض المواقف مجرد مظهر خارجي لحالة أعمق من الخوف أو القلق أو الضغط أو الحاجة إلى القبول أو محاولة الهروب من موقف لا يمتلك الطفل أدوات مواجهته.
إن فهم الدافع لا يعني تبرير السلوك، ولا يعني أن نسمح للطفل بالكذب دون حدود، وإنما يعني أن نتعامل مع السلوك باعتباره معلومة تساعدنا على فهم الطفل، لا باعتباره جريمة أخلاقية تختزل شخصيته كلها في كلمة واحدة: «كذاب».
فالطفل لا يولد وهو يمتلك المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية التي يمتلكها الراشد، وإنما تتطور لديه القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، وبين ما يعرفه هو وما يعرفه الآخرون، بصورة تدريجية مع نمو قدراته المعرفية والاجتماعية والانفعالية.
ومن هنا تظهر أهمية ما يعرف في علم النفس النمائي بـ Theory of Mind، أي قدرة الطفل على إدراك أن للآخرين أفكارًا ومعتقدات ومعلومات قد تختلف عما يعرفه هو، وهي قدرة تتطور تدريجيًا وتؤثر في فهم الطفل للخداع والصدق ونوايا الآخرين.
ولهذا فإن الطفل في سنواته الأولى قد يروي قصة خيالية عن وحش دخل غرفته، أو عن صديق غير موجود، أو عن رحلة لم تحدث، دون أن يكون هدفه خداع والديه.
فالخيال جزء طبيعي من النمو، وليس كل ما يخالف الواقع «كذبًا» بالمعنى الأخلاقي الذي يفهمه الكبار، أما الكذب المتعمد فيتطلب قدرًا أكبر من الوعي بأن ما يقوله الطفل لا يتطابق مع الحقيقة، وأنه يستطيع التأثير في معرفة شخص آخر من خلال ما يقوله له، وهذه القدرة نفسها تتطور مع العمر والنضج والخبرة الاجتماعية.
لذلك، فإن التعامل مع جميع أشكال الكلام غير الصحيح باعتبارها دليلًا على فساد السلوك قد يقود إلى أخطاء تربوية؛ لأننا قد نعاقب طفلًا على سلوك يتناسب مع مرحلته النمائية، أو نخلط بين الخيال والكذب، أو نحمّل الطفل مسؤولية أخلاقية قبل أن يمتلك الأدوات المعرفية الكافية لفهمها.
لكن عندما يصبح الطفل أكثر قدرة على التمييز، فإن السؤال ينتقل من «هل يعرف الحقيقة؟» إلى «لماذا اختار ألا يقولها؟» وهنا يظهر الخوف باعتباره أحد الدوافع المهمة التي ينبغي أن ننتبه إليها.
فالطفل الذي يعرف أن الاعتراف بخطئه سيقوده إلى صراخ شديد أو إهانة أو عقاب قاسٍ قد يتعلم مع الوقت أن الحقيقة ليست آمنة، وعندما تتكرر التجربة، قد تصبح الكذبة بالنسبة إليه وسيلة دفاعية قصيرة المدى؛ ليس لأنه يحب الخداع، وإنما لأنه يحاول حماية نفسه من نتيجة يتوقعها.
قد يكذب لأنه كسر لعبة، أو أخفى نتيجة اختبار، أو لم يؤد واجبه، أو تسبب في مشكلة مع شقيقه، وفي كثير من هذه المواقف لا يكون السؤال الأهم هو: «كيف تجرأ على الكذب؟»، وإنما: «كيف يتوقع هذا الطفل أن أتعامل معه إذا قال الحقيقة؟».
وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية في التربية، وهو الأمان النفسي Psychological Safety داخل العلاقة بين الطفل ووالديه، فالطفل يحتاج إلى معرفة أن الاعتراف بالخطأ لن يعفيه من المسؤولية، لكنه في الوقت نفسه لن يؤدي إلى إهانته أو تهديد مكانته داخل الأسرة أو إشعاره بأنه فقد الحب والقبول.
هناك فارق تربوي عميق بين أن نقول للطفل: «ما فعلته خطأ، وعلينا أن نصلحه»، وبين أن نقول له: «أنت طفل سيئ وكذاب»، فالعبارة الأولى تضع حدودًا للسلوك وتفتح باب الإصلاح، أما الثانية فتحول الخطأ من فعل يمكن تغييره إلى هوية قد يبدأ الطفل في تبنيها عن نفسه.
فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن والديه يستطيعان رفض سلوكه دون أن يرفضا شخصه، وأن الحب لا يعني الموافقة على كل تصرف، كما أن العقاب أو وضع الحدود لا يعني سحب الأمان العاطفي.
فالطفل الذي يخفي نتيجة امتحانه قد لا يكون همه الوحيد الإفلات من العقاب؛ ربما يكون خائفًا من أن يرى والده فيه صورة الطفل غير المتفوق الذي لا يحقق توقعاته.
والطفل الذي يدعي نسيان واجبه باستمرار قد لا يحتاج فقط إلى مزيد من العقاب، وإنما ربما يحتاج إلى اكتشاف ما إذا كانت هناك صعوبة في التنظيم أو الانتباه أو فهم المهمة أو التعامل مع الضغط.
لهذا، فإن قراءة السلوك في سياقه أكثر أهمية من إصدار حكم سريع عليه، فالسلوك الواحد قد تكون وراءه أسباب متعددة، ولا يمكن فهم الطفل من خلال تصرف منفرد معزول عن شخصيته وبيئته وعلاقاته وظروفه.
وفي بعض الحالات، يتحول الكذب إلى وسيلة للبحث عن الاهتمام، فقد يبالغ الطفل في حكاياته، أو يتحدث عن أشياء لا يمتلكها، أو يدعي القيام بأمور لم يفعلها، لأنه اكتشف أن هذه القصص تجعل الآخرين ينظرون إليه ويستمعون إليه، وقد يظهر هذا السلوك بصورة أكبر لدى طفل يشعر أنه أقل اهتمامًا من إخوته، أو يعيش وسط أسرة لا تمنحه مساحة كافية للتعبير عن ذاته.
وهنا أيضًا لا ينبغي أن نتوقف عند الكذبة، وإنما نحاول قراءة الحاجة التي تقف خلفها، فالطفل الذي يقول قصة غير حقيقية لكي يحظى بالاهتمام قد لا يحتاج إلى محاضرة عن الصدق بقدر ما يحتاج إلى علاقة يشعر فيها أن صوته مسموع، وأن وجوده مهم، وأنه يستطيع الحصول على اهتمام والديه دون أن يضطر إلى اختلاق قصة.
وفي المقابل، علينا نحن الكبار أن نسأل أنفسنا سؤالًا صعبًا: هل نعلّم أطفالنا الصدق فعلًا، أم نطالبهم به بينما نقدم لهم نماذج مختلفة في حياتنا اليومية؟
فالطفل لا يتعلم القيم من الكلمات وحدها؛ إنه يتعلم من الملاحظة والتقليد والنماذج التي يراها أمامه، وعندما يطلب الأب من طفله أن يقول للمتصل: «بابا مش موجود»، بينما الأب يقف في الغرفة نفسها، فإن الطفل يتلقى درسًا عمليًا قد يكون أقوى من عشرات النصائح عن الصدق.
وعندما نعد الطفل بوعد ثم نتراجع عنه دون تفسير أو اعتذار، أو نطلب منه أن يقول شيئًا غير حقيقي حتى نتجنب موقفًا اجتماعيًا، فإننا نضع أمامه نموذجًا متناقضًا: الصدق قيمة مطلوبة منه، لكنها قابلة للاستثناء عندما يحتاج الكبار إليها.
إن الأطفال يراقبون أكثر مما نعتقد، ويقلدون أكثر مما نتصور، ولهذا فإن تربية طفل صادق تبدأ في جانب كبير منها من صدق البيئة التي يعيش فيها.
وعندما يكتشف الأب أو الأم أن الطفل كذب، فإن أول ما يحتاج إليه الموقف هو الهدوء، ليس لأن الكذب سلوك مقبول، ولكن لأن الانفعال الشديد قد يحول الحوار إلى مواجهة دفاعية، فيصبح الطفل أكثر تمسكًا بالإنكار وأقل استعدادًا للاعتراف.
ومن الأفضل أن نتحدث عن الفعل لا عن هوية الطفل، كأن نقول: «هذا الكلام غير صحيح، وأنا أريد أن أعرف ما حدث»، بدلًا من «أنت كذاب»، وأن نمنح الطفل فرصة للرجوع إلى الحقيقة دون إذلال أو تهديد، فالهدف ليس انتزاع الاعتراف بالقوة، وإنما بناء قيمة داخلية تجعل الصدق خيارًا أكثر استقرارًا مع الوقت.
وعندما يعترف الطفل، لا ينبغي أن نخلط بين تقدير الصراحة وإلغاء المسؤولية، ويمكن أن نقول له: «أنا سعيد لأنك قلت الحقيقة، لكن ما حدث يحتاج إلى إصلاح»، فإذا كسر شيئًا، يساعد في إصلاحه أو تنظيفه، وإذا أخطأ في حق شخص آخر، يتعلم الاعتذار وتصحيح الضرر، هكذا يفهم الطفل أن الصدق لا يمحو نتائج الخطأ، لكنه يجعل مواجهة الخطأ وإصلاحه ممكنين، وهذا هو الفرق بين التربية التي تبني المسؤولية، والتربية التي تبني الخوف.
وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في قصة الكذب كلها: أن الطفل لا يحتاج فقط إلى من يعلمه قول الحقيقة، وإنما يحتاج إلى أن يشعر بأن الحقيقة مكان آمن.


تعليقات