إيمان حكيم تكتب: أحببتُ وغدًا

إيمان حكيم تكتب: أحببتُ وغدًا

لم أكن أظن يومًا أن الإنسان قد يخطئ في قراءة قلبٍ بهذا القدر. كنت أظن أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى دليل، وأن الصدق يمكن أن يُرى في التفاصيل الصغيرة، في نبرة الصوت، في الاهتمام الذي يأتي دون طلب، وفي ذلك الشعور الغريب بالأمان حين تجد شخصًا تظن أنك تستطيع أن تضع قلبك بين يديه دون خوف.

لكنني اكتشفت أن بعض القلوب تجيد ارتداء الطيبة أكثر مما تجيد ممارستها، وأن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا لأنهم يشبهون الصورة التي رسمناها لهم، بل لأننا كنا نحتاج وقتها إلى تصديق تلك الصورة.

أحببتُ وغدًا.

وهذه ليست الجملة التي تؤلمني بقدر ما تؤلمني الحقيقة التي جاءت بعدها: أنني لم أحب الشخص الذي كان أمامي كما هو، بل أحببت النسخة التي ظننت أنه عليها. أحببت مواقفه التي فسرتها بحسن نية، وكلماته التي منحتها معاني أكبر مما تحتمل، واعتذاراته التي ظننت أنها دليل ندم، بينما كانت في بعض الأحيان مجرد وسيلة لإبقاء الباب مفتوحًا.

كنت أبحث له عن الأعذار كلما أخطأ، وأبحث عن تفسير لكل موقف أربكني، وأقنع نفسي أن الإنسان قد يتغير، وأن من نحبهم يستحقون منا بعض الصبر.

حتى جاء الوقت الذي لم يعد فيه هناك شيء يمكن تفسيره.

هناك لحظة معينة في كل علاقة، لا تحتاج فيها إلى سؤال أحد: هل كان يحبني حقًا؟ لأن الأفعال تصبح أوضح من أي إجابة
تعرف أنك كنت وحدك في المكان الذي ظننته مشتركًا، وأنك كنت تحاول إنقاذ شيء لم يكن الطرف الآخر حريصًا على إنقاذه من الأساس.

والأصعب من الخذلان أن تكتشف أنك كنت تدافع عن شخص أمام نفسك، بينما كان هو يمنحك كل الأسباب التي تجعلك تتوقف عن ذلك.

لم يكن الوجع في أنني أحببت شخصًا سيئًا، فالإنسان لا يملك دائمًا اختيار من يتعلق به قلبه الوجع الحقيقي أنني منحت شخصًا لا يستحق مساحة كبيرة من قلبي، وثقة لم يكن جديرًا بها، ووقتًا كان يمكن أن أمنحه لنفسي.

ومع ذلك، لا أندم على الحب.

أندم فقط على اللحظات التي خذلت فيها نفسي من أجله، وعلى المرات التي شعرت فيها بالألم وقررت أن أتجاهله حتى لا أخسر شخصًا كان يخسرني في كل مرة دون أن يتردد.

تعلمت أن الحب ليس أن تتحمل كل شيء، ولا أن تبرر كل شيء، ولا أن تبقى واقفًا أمام بابٍ يُغلق في وجهك ثم تقنع نفسك بأن الطارق الصبور لا بد أن يُفتح له يومًا.

الحب الحقيقي لا يجعلك دائمًا في حالة دفاع عن نفسك، ولا يجعلك تتساءل كل ليلة عن قيمتك، ولا يحول علاقتك بمن تحب إلى اختبار دائم لقدرتك على الاحتمال.

وربما أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بعد أن يكتشف أنه أحب الشخص الخطأ، هو ألا يسمح لهذه التجربة بأن تجعله شخصًا قاسيًا.

أن يقول: نعم، أخطأت في الاختيار، لكنني لن أخطئ في حق نفسي مرة أخرى.

سأظل قادرًا على الحب، لكنني لن أخلط بعد اليوم بين الحب والتعلق، وبين الطيبة والتنازل، وبين التسامح وقبول الإهانة.

فبعض الأشخاص يخرجون من حياتنا تاركين جرحًا، لكنهم يتركون أيضًا درسًا لا يُنسى: ليس كل من أحببناه كان يستحق حبنا، وليس كل من خسرناه كان خسارة.

وأحيانًا، يكون اكتشاف حقيقة شخصٍ أحببناه هو أول خطوة لاكتشاف حقيقة أنفسنا.

أننا نستحق علاقة لا نخاف فيها من الغد، ولا نضطر فيها إلى تفسير الصمت، ولا نبحث فيها عن قيمتنا في عيون شخص آخر.

فأنا أحببتُ وغدًا، نعم…

لكنني في النهاية تعلمت أن أحب نفسي بما يكفي لأرحل.