عندما يدخل القارئ إلى مكتبة أو يتصفح مواقع بيع الكتب، ربما يلفت انتباهه عنوان يحمل عبارة الأكثر مبيعًا، لكن هذه العبارة التي تبدو اليوم عادية لم تكن موجودة دائمًا، ولم تبدأ باعتبارها حكمًا على جودة الكتاب، وإنما كانت محاولة للإجابة عن سؤال بسيط هو ماذا يقرأ الناس؟
وتعود بداية قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة إلى عام 1895، عندما نشر هاري ثورستون بيك، أول محرر لمجلة The Bookman الأمريكية، أول قائمة من نوعها، وكانت القائمة في بدايتها مخصصة للروايات، واعتمدت على بيانات من عدد من المكتبات، كما قسمت المبيعات بحسب المدن والمناطق.
من مجرد قائمة الى مؤشر
لم تكن قائمة عام 1895 تشبه القوائم الحديثة التي نعرفها اليوم، فلم تكن هناك أنظمة إلكترونية تجمع كل عملية بيع لحظة بلحظة.
ومع ذلك أحدثت الفكرة تغييرًا مهمًا في سوق الكتاب، لأنها حولت شعبية الكتب من انطباع عام إلى شيء يمكن ترتيبه وقياسه وعرضه أمام القراء.
وفي السنوات التالية بدأت القوائم تتطور، وكانت Publishers Weekly تنشر القوائم التي توفرها The Bookman، ثم أطلقت في عام 1912 أول قائمة أصلية لها للأكثر مبيعًا، وفي العام نفسه بدأت القوائم السنوية تفصل بين الروايات والكتب غير الروائية.
ومن هنا بدأت قائمة الأكثر مبيعًا تتحول تدريجيًا من مجرد معلومة للقراء إلى أداة مهمة في صناعة النشر.
المرتبة الأولى تساوى التسويق الجيد
يأتي اهتمام الناشر بالمرتبة الأولي للكتاب لأن ظهوره في قائمة الأكثر مبيعًا لا يخبر القارئ فقط بأن الكتاب يبيع جيدًا، بل يمكن أن يصبح جزءًا من تسويقه.
ومع انتشار القوائم، أصبحت المرتبة نفسها عنصرًا يمكن استخدامه في الحملات الدعائية، وأصبح الوصول إلى المراتب الأولى هدفًا تجاريًا مهمًا للناشرين والمؤلفين.
لكن وبالرغم من أن صناعة النشر ظلت على مدار تاريخها شديدة الاهتمام بما يبيع، لكن تاريخ قوائم الأكثر مبيعًا شهد جدلًا مستمرًا حول مدى دقتها وطريقة إعدادها.
هل الأكثر مبيعًا يعني الأفضل؟
هنا تظهر المفارقة الأهم، قائمة الأكثر مبيعًا تقيس المبيعات فقط، لا القيمة الأدبية، فالكتاب قد يحقق مبيعات ضخمة بسبب شهرة مؤلفه، أو موضوع يثير اهتمام الجمهور، أو حملة تسويقية واسعة، أو ارتباطه بحدث راهن، بينما قد تمر كتب أخرى ذات قيمة أدبية كبيرة دون أن تصل إلى القائمة.
وتشير Publishers Weekly نفسها، في استعراضها لتاريخ قوائم الأكثر مبيعًا، إلى أن الكتب التي تحقق أعلى المبيعات ليست بالضرورة الكتب التي تستمر طويلًا من الناحية الأدبية، رغم وجود استثناءات بالطبع.
من قائمة صغيرة إلى صناعة كاملة
اليوم أصبحت قوائم الأكثر مبيعًا أكثر تعقيدًا بكثير من قائمة عام 1895، فهناك قوائم منفصلة للروايات والكتب غير الروائية، والكتب الورقية والإلكترونية، وكتب الأطفال وغيرها، كما تعتمد صناعة النشر الحديثة على بيانات مبيعات أكثر تفصيلًا.
ويمكن رؤية هذا التطور بوضوح في قوائم Publishers Weekly الحالية، التي تعرض ترتيب الكتاب، وموقعه في الأسبوع السابق، وعدد الأسابيع التي قضاها في القائمة، إلى جانب بيانات المبيعات.
وهكذا بدأت حكاية البست سيلر بسؤال بسيط عن الكتب التي يشتريها الناس، لكنها انتهت إلى مؤشر تجاري وثقافي له تأثير كبير في الطريقة التي يكتشف بها القراء الكتب ويتعامل بها سوق النشر معها.


تعليقات