“لا تحكم على الكتاب من غلافه”.. جملة نسمعها كثيرًا، لكنها لا تبدو دقيقة تمامًا عندما نتحدث عن الكتب ففي أحيان كثيرة، لا يبدأ التعارف بين القارئ والكتاب من الصفحة الأولى، وإنما من الغلاف، فتلفت نظره الصورة، أو اللون المختلف، أو عنوان مكتوب بطريقة لافتة، أو حتى تصميم بسيط يجعل الكتاب مميزًا وسط عشرات العناوين، وقد يمر القارئ على كتاب دون أن يعرف شيئًا عن قصته، لكنه يتوقف أمام غلافه، يمسكه، يقرأ الغلاف الخلفي، وربما يقرر شراءه.
لهذا لم يعد الغلاف مجرد غطاء يحمي صفحات الكتاب، فمع الوقت، أصبح جزءًا من الطريقة التي يصل بها العمل إلى القارئ، وفي بعض الحالات صار من الصعب فصل الرواية عن صورتها على الغلاف.
فمتى بدأ التحول؟
بحسب تقرير نشره موقع Literary Hu، فإنه في بدايات صناعة الكتاب، كان الغلاف مرتبطًا بالدرجة الأولى بالتجليد وحماية الصفحات، ولم يكن مصمم الغلاف بالشكل الذي نعرفه اليوم جزءًا واضحًا من صناعة الكتاب.
لكن مع تطور الطباعة والنشر، بدأ الأمر يتغير، وأصبح الغلاف مساحة يمكن أن تحمل فكرة أو صورة أو أسلوبًا فنيًا، ومن الأمثلة المبكرة على ذلك الدورية الأدبية البريطانية الكتاب الأصفر أو «The Yellow Book»، التي صدر مجلدها الأول عام 1894، وارتبط اسم الفنان أوبري بيردسلي بتصميماتها ورسومها.
حيث كان اللون الأصفر أحد أبرز ملامح الدورية، إلى جانب الرسوم التي منحتها شكلًا مختلفًا عن الكتب والدوريات المعتادة في ذلك الوقت.
الرواية التي نتذكرها من غلافها
مع مرور الوقت، ظهرت أغلفة أصبحت مرتبطة بالأعمال التي حملتها إلى درجة يصعب معها تخيل هذه الكتب بعيدًا عنها، من أبرزها غاتسبي العظيم «The Great Gatsby» لفرانسيس سكوت فيتزجيرالد، فالغلاف الأول للرواية، الذى صممه فرانسيس كوجا عام 1925، يحمل وجهًا غامضًا بعينين واسعتين وسط خلفية زرقاء مضيئة.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه الصورة واحدة من العلامات البصرية المرتبطة بالرواية، فالقارئ الذي يرى الغلاف قد يتذكر غاتسبي قبل أن يتذكر تفاصيل الحبكة نفسها.
هذا الأمر تتكرر مع «The Catcher in the Rye» لجاي دي سالينجر، غلاف الطبعة الأولى عام 1951، الذي صممه إي. مايكل ميتشل، حمل رسمًا بالأحمر لحصان ملاهي، وظلت صورته مرتبطة بالرواية في أذهان أجيال من القراء.
أما «Pride and Prejudice» لجين أوستن، فهناك طبعة شهيرة صدرت عام 1894 ارتبطت بتصميمات الرسام هيو تومسون، واشتهرت بسبب صورة الطاووس على الغلاف، حتى عرفت لاحقًا باسم “طبعة الطاووس” .
ما الذي يجعل غلافًا ما يعيش كل هذه السنوات؟
ليس المطلوب من الغلاف الجيد أن يحكي الرواية أو يضع ملخصًا بصريًا لها، فالحقيقة أن وظيفته بسيطة وصعبة في الوقت نفسه وهى أن يمنح القارئ إحساسًا بالكتاب قبل أن يبدأ قراءته.
دور المصمم في الرسالة
لا يعمل المؤلف وحده على الصورة التي تصل إلى القارئ، فهناك محرر وناشر ومصمم، ولكل منهم دور في الشكل النهائي للكتاب، وقد يكتب المؤلف مئات الصفحات، لكن المصمم لديه مساحة صغيرة جدًا ليقول للقارئ: هذا هو الكتاب الذي بين يديك.
تغير المشهد مع ظهور الكتاب الإلكتروني
ومع التطور التكنولوجى، لم يعد القارئ يرى أغلفة الكتب على رفوف المكتبات فقط، وإنما على شاشة الهاتف والحاسوب، وسط عشرات الصور الصغيرة التي تتنافس على لفت انتباهه.
وفي المتاجر الإلكترونية، قد تكون الصورة المصغرة هي أول ما يراه القارئ من الكتاب، لذلك أصبح التصميم مطالبًا بأن يكون واضحًا وجذابًا حتى في مساحة صغيرة.
لماذا تبقى صورة الغلاف في الذاكرة؟
نتذكر شخصية أحببناها، جملة أثرت فينا، مشهدًا ظل عالقًا في الذهن، وأحيانًا نتذكر ببساطة شكل الكتاب الذي كنا نحمله ونحن نقرأه، قد تتغير الطبعات، وقد تتعدد الترجمات، وقد يظهر للكتاب أكثر من غلاف، لكن صورة واحدة يمكن أن تظل مرتبطة بقارئ بعينه طوال حياته، ولهذا، ربما تكون العبارة الأدق ليست “لا تحكم على الكتاب من غلافه”، وإنما “لا تحكم عليه من غلافه، لكن لا تتجاهل أن الغلاف قد يكون أول ما يجعلك تفتح الكتاب” .


تعليقات