حقيقة حريق مكتبة الإسكندرية.. كيف نجت كنوز المعرفة عبر العصور؟

حقيقة حريق مكتبة الإسكندرية.. كيف نجت كنوز المعرفة عبر العصور؟

لأكثر من ألفي عام، ارتبط اسم مكتبة الإسكندرية القديمة بصورة شهيرة وهى الحريق الهائل الذي التهم واحدة من أعظم مكتبات العالم القديم، وأنهى عصرًا كاملًا من المعرفة، لكن القصة دائماً لها وجه آخر.

فالمكتبة التي تأسست في الإسكندرية خلال العصر البطلمي لم تكن مجرد مكان لحفظ الكتب، وإنما كانت جزءًا من مؤسسة علمية أكبر عُرفت باسم الموسيون، وضمت علماء وشعراء وفلاسفة وباحثين، وجعلت من الإسكندرية واحدة من أهم مراكز المعرفة في العالم القديم.

بدأت فكرة المكتبة في عهد بطليموس الأول، ويرجح أن بناءها اكتمل في عهد ابنه بطليموس الثاني، وكان طموح البطالمة أكبر من إنشاء مكتبة تقليدية، فقد أرادوا جمع أكبر قدر ممكن من المعرفة الموجودة في العالم آنذاك.

بطليموس الثانى
بطليموس الثانى

ولهذا أرسلوا وكلاء لجمع وشراء المخطوطات، وتذكر الروايات أن الكتب التي كانت تصل إلى ميناء الإسكندرية كان يتم الحصول عليها لنسخها، مع الاحتفاظ بالأصول في المكتبة، وبحسب المصادر فأن عدد اللفائف التي احتوت عليها المكتبة، تراوحت بين 40 ألفًا و400 ألف لفافة في فترات ازدهارها، ومع توسع المجموعة، أُنشئت مكتبة أخرى في معبد السيرابيوم، عُرفت لاحقًا باسم «المكتبة الابنة».

لم تكن المكتبة مجرد مخزن للكتب

بعد ذلك أصبحت المكتبة مركزًا للبحث والدراسة، واستقطبت علماء وشعراء من مناطق مختلفة، ومن أبرز الأسماء المرتبطة بها إراتوستينس، الذي اشتهر بأبحاثه العلمية وحساب محيط الأرض، والشاعر أبولونيوس الرودسي، صاحب ملحمة «الأرجونوتيكا»، إلى جانب علماء اهتموا باللغة والنقد الأدبي والتاريخ.

كما ارتبط بالمكتبة مشروع ضخم لفهرسة الكتب، وضعه الشاعر والعالم كاليماخوس في عمله المعروف باسم «البيناكس»، الذي ضم فهرسًا واسعًا للمؤلفين وأعمالهم.

هل أحرقها يوليوس قيصر؟

خلال حصار الإسكندرية عام 48 قبل الميلاد، أمر يوليوس قيصر بإحراق سفنه، وانتشر الحريق في مناطق من المدينة، وتذكر بعض المصادر القديمة أن عددًا كبيرًا من الكتب واللفائف احترق، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المكتبة بأكملها دُمرت في ذلك الحريق.

فالمؤرخ الروماني كاسيوس ديو تحدث عن احتراق مبانٍ ومخازن، بينها مخازن للكتب، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى احتمال أن يكون الحريق قد أصاب مستودعات قريبة من الميناء كانت تحتوي على جزء من مجموعات المكتبة، وليس مبنى المكتبة بالكامل.

والأهم أن الجغرافي سترابون ذكر أنه زار “الموسيون” في الإسكندرية بعد ذلك بسنوات، وهو ما يشير إلى أن المؤسسة لم تختفِ تمامًا في حريق قيصر، سواء بقي جزء منها أو أعيد بناؤه.

تدهور المكتبة من جديد

مع مرور الوقت، بدأت مكانة الإسكندرية العلمية في التراجع، خاصة مع ضعف الدولة البطلمية ثم انتقال المدينة إلى الحكم الروماني، وتراجعت تدريجيًا مع انخفاض الدعم والتمويل، وتشير الأدلة إلى أن وجود “الموسيون” نفسه اختفى من المصادر بعد منتصف القرن الثالث الميلادي.

وفي عام 272 ميلاديًا، دمرت قوات الإمبراطور أورليان الحي الملكي، المعروف باسم بروخيون، حيث كانت المكتبة الرئيسية موجودة، لتمر مكتبة الإسكندرية بسلسة حوادث طويلة أدت الي التراجع وفقدان الدعم والدمار المتكرر.

خريطة قديمة للمكتبة
خريطة قديمة للمكتبة

المعرفة لم تختفِ بعد

ربما تكون المفارقة الأهم أن اختفاء المكتبة لم يعنِ اختفاء كل ما احتوته من معرفة، فالنصوص القديمة كانت تُنسخ وتُعاد كتابتها على مدى قرون، وانتقلت الكتب والمعارف إلى مكتبات أخرى في أنحاء العالم الروماني، ثم إلى المكتبات المسيحية في العصور اللاحقة.

وبفضل عمليات النسخ المتكررة، بقي جزء من التراث الأدبي والعلمي القديم حيًا حتى عصر النهضة، عندما عاد الأوروبيون إلى دراسة الكتابات اليونانية والرومانية القديمة على نطاق واسع.

لذلك، ربما تكون القصة الأدق لمكتبة الإسكندرية ليست قصة مكتبة أحرقتها النيران في يوم واحد، وإنما قصة مؤسسة علمية عظيمة تراجعت على مدى قرون، بينما واصلت المعرفة التي ساهمت في حفظها رحلتها من مكتبة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.

مكتبة الإسكندرية
مكتبة الإسكندرية