كليوباترا.. علاقة ملكة مصر بإيزيس

كليوباترا.. علاقة ملكة مصر بإيزيس

بعد أيام فقط من وفاة والدها في مارس عام 51 قبل الميلاد، حضرت كليوباترا السابعة -التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 18 عاماً- مراسم دفن الثور المقدس “بوخيس”، وهو حيوان كان المصريون القدماء يعبدونه باعتباره تجسيداً للإله “مونتو” (إله الحرب).

وقد أشادت مسلة أُقيمت خصيصاً لتلك المناسبة بالملكة الشابة بلقب “ثيا فيلوباتور” (Thea Philopator)، أي “الإلهة المحبة لأبيها”؛ وتُعد هذه المسلة واحدة من أقدم النقوش الباقية التي تحمل الألقاب الإلهية لكليوباترا.

وعلى مدى العقدين التاليين، عززت كليوباترا تلك الهوية الإلهية، لتقدم نفسها في النهاية بصفتها “إيزيس الجديدة”، أي التجسيد الحي لأكثر آلهة مصر تبجيلاً.

 

مملكة بين عالمين

انتمت كليوباترا إلى العائلة المالكة البطلمية، وهي السلالة المقدونية التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر.

وقد ورثت ما تصفه تارا سيويل-لاسيتر، المؤرخة في جامعة ولاية مونتانا، بأنه “سلالة اعتمدت شرعيتها جزئياً على تقديم حكامها في إطار التقاليد الدينية المصرية”.

جمعت المملكة بين نخبة تتحدث اليونانية وسكان مصريين كانوا ينظرون إلى الفرعون باعتباره حاكماً مُعيّناً بتفويض إلهي، ومكلفاً بالحفاظ على “ماعت” (Ma’at)، أي النظام الكوني القائم على الحق والعدل وقد وفّر ارتباط كليوباترا بإيزيس وسيلة قوية للربط بين هذين التقليدين الثقافيين.

يقول دوان رولر، مؤلف كتاب “كليوباترا: سيرة ذاتية” والأستاذ الفخري للدراسات الكلاسيكية في جامعة ولاية أوهايو وفقا لما ذكره موقع هيستوري: “كان هناك العديد من اليونانيين المتعبدين للإيزيس؛ فمنذ القرن الرابع قبل الميلاد، بدأ تشييد معابد لإيزيس في العالم اليوناني” لكنه يضيف أنه نظراً لكون إيزيس إلهة مصرية، فإن “ظهور كليوباترا في هيئة إيزيس كان في المقام الأول لفتةً موجهةً إلى رعاياها المصريين”.

 

كليوباترا في هيئة إيزيس

استمدت صورة كليوباترا هذه مقوماتها من قرون من الأفكار المصرية والبطلمية حول مفهوم “الملكية المقدسة”؛ إذ تعود جذور الربط بين النساء الملكيات والإلهات إلى عصر الدولة الحديثة في مصر (حوالي 1550–1070 قبل الميلاد). وتوضح سالي-آن أشتون، في كتابها “آخر ملكات مصر: الأسرة الملكية لكليوباترا”، أن ملكات مثل أرسينوي الثانية وبرنيكي الثانية وكليوباترا الثالثة كنّ قد ارتبطن بالفعل بالإلهة إيزيس قبل ذلك.

وتقول سيويل-لاساتر: “لقد ورثت كليوباترا ذلك التقليد، لكنها تبنته بشكل أعمق وأشمل من أي من سابقاتها، وجعلت من تماهيها مع إيزيس ركيزة أساسية في تقديم نفسها كحاكمة شرعية لمصر”. وتضيف: “لقد تمثلت براعتها وابتكارها في جعل هذا التماهي ظاهراً للعيان ومؤثراً سياسياً بشكل خاص خلال واحدة من أكثر فترات الحكم البطلمي صعوبة وتحدياً”.

وفي المناسبات الاحتفالية، كانت كليوباترا تظهر في هيئة إيزيس، مرتديةً غطاء الرأس التقليدي للإلهة والمكون من قرني بقرة وقرص الشمس. كما أمرت بسكّ عملات معدنية تُصوّر قيصرون في هيئة “حورس”، ابن إيزيس.