هناك أشخاص من حولنا قادرون على الحفاظ على وزنهم بغض النظر عن نوعية طعامهم، حيث لا يكتسبون زيادة فى الوزن مهما تناولوا من طعام، وقد دفع هذا العلماء إلى الاعتقاد بأن عملية التمثيل الغذائي لدى الشخص وميله للسمنة قد يكون لهما عوامل وراثية.
وبحشي موقع “Medical xpress”، كشفت دراسة واسعة النطاق، شملت تحليل التسلسل الجيني لأكثر من مليون شخص في ثلاث قارات، عن مؤشرات جينية قد تكون وراء هذا الميل، ونُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة Nature .
تفاصيل الدراسة
قام الباحثون برصد أى متغيرات جينية نادرة وارتباطاتها بنسبة الدهون الثلاثية إلى الكوليسترول عالي الكثافة (TG: HDL)، وهو مؤشر مرتبط بالعديد من عوامل الخطر والأمراض القلبية والأيضية.
حدد الباحثون 59 جيناً مرتبطاً بهذا المؤشر، والتي تساعد في تنظيم كيفية توازن الجسم للطاقة وتخزينها وحرقها. ومن أهم هذه الجينات جين FNIP1 (البروتين المتفاعل مع الفوليكولين 1) ، الذي يعمل أساساً على كبح استهلاك الطاقة، مانعاً الخلايا من حرق كميات كبيرة منها.
يحمل حوالي شخص واحد من بين كل 7000 شخص طفرة جينية نادرة تحدث بشكل طبيعي، تؤدي إلى تعطيل نسخة واحدة من جين FNIP1، ويبدو أن هذه الطفرة الجينية تأتي مصحوبة بفوائد أيضية عديدة، منها حماية كبيرة من السمنة وتراكم الدهون في الكبد، وتوزيع أفضل للدهون في الجسم، وانخفاض احتمالية الإصابة بأمراض القلب والأيض بنسبة 60% تقريبًا، وغيرها.
أزمة عالمية متفاقمة
تُشكل الأمراض غير المعدية الثلاثة – داء السكري، والسمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية – أحد أكبر التحديات الصحية في عصرنا، ويعاني أكثر من 72% من الأشخاص من زيادة الوزن، ويعاني أكثر من نصفهم بالفعل من داء السكري من النوع الثاني أو مقدمات السكري، هذا العبء المتزايد للأمراض المزمنة يستدعي إيجاد طرق جديدة لعلاج هذه الأمراض من جذورها.
يمكن أن تؤدي الاضطرابات في استقلاب الطاقة، وهو أمر أساسي لكيفية استخدام الجسم وتخزينه للدهون والسكريات، إلى تطور هذه الحالات.
يعلم العلماء منذ فترة أن معدل الأيض وخصائص تخزين الطاقة لدى الإنسان قابلة للتوريث جزئيًا. ومع ذلك، فإن دراسة المتغيرات الجينية النادرة التي قد تُسبب هذه التأثيرات البيولوجية القوية أمرٌ صعب، نظرًا لقلة عدد الأشخاص الذين يحملون أي متغير جيني معين، مما يستلزم استخدام مجموعات بيانات ضخمة جدًا لاكتشافها.
فك شفرة الجينات الأيضية
في هذه الدراسة، أنشأ الباحثون قاعدة بيانات ضخمة مكّنتهم من تحديد أنماط ذات دلالة في المتغيرات الجينية المرتبطة بعمليات الأيض الصحية، حيث جمع الفريق بيانات جينية وسجلات صحية من 1,032,116 شخصًا ضمن 11 مجموعة دراسية موزعة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.
أظهرت الدراسة أن قياسًا بسيطًا في الدم، مثل نسبة الدهون الثلاثية إلى الكوليسترول الجيد (TG:HDL)، يمكن أن يكون مؤشرًا دقيقًا للغاية على صحة التمثيل الغذائي للجسم بشكل عام. وقد ارتبط ارتفاع نسبة TG:HDL ارتباطًا وثيقًا بزيادة الدهون في الجسم، وتراكم الدهون الضار حول الأعضاء الحيوية، ومقاومة الأنسولين، وارتفاع ضغط الدم.
تم اكتشاف 59 جيناً مستقلاً تؤثر بشكل مباشر على كيفية توازن الطاقة في الجسم، وتخزين الدهون، وإدارة عملية الأيض، كما وجد الباحثون أن حاملي الطفرة الجينية النادرة FNIP1 يتمتعون بملف أيضي صحي للغاية، فمقارنةً بغير الحاملين، أظهروا مستويات أقل من دهون الدم، بما في ذلك الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار؛ وانخفاضًا في وزن الجسم ونسبة الدهون فيه؛ وتوزيعًا صحيًا للدهون. كما كان لديهم مستويات أقل من سكر الدم ونسبة أقل بكثير من الدهون المخزنة في الكبد.
للتأكد من أن تعطيل جين FNIP1 هو السبب الحقيقي وراء هذه الفوائد، قام الباحثون بتعطيل الجين مباشرةً في خلايا الكبد البشرية. وبدأت الخلايا على الفور بتفعيل الجينات المسؤولة عن تكسير الدهون والتخلص من مخلفات الخلايا.
ثم اختبر الباحثون هذا التأثير على الفئران عن طريق تعطيل مسار FNIP1 في الكبد. وحتى عند إطعام هذه الفئران نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون والسكريات لمدة تصل إلى 30 أسبوعًا، فقد تمتعت بحماية قوية ضد زيادة الوزن وتراكم الدهون في الكبد.
تُشير النتائج إلى أن بروتين FNIP1 يلعب دورًا محوريًا في كيفية إدارة الجسم البشري للطاقة والمؤشرات الحيوية الأيضية، ويأمل الباحثون أن يُسهم تثبيط هذا البروتين علاجيًا في معالجة أمراض القلب والسمنة والسكري.


تعليقات